Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


الحوار جزء من المرض ودوائه: ليس الحوار مع الغرب حواراً ولا الحوار الداخلي قائماً البريد الإلكتروني
كتب أ. نبيل شبيب*   
31/05/2008
الحوار مع الآخر مطلوب، ولكن إن كان حوارا، ولم يصبح مسبقا ذوبانا، وهو طلب مقابل طلب، وليس أمرا وطاعة، وله طرفان، الذات والآخر، وله شرط يستحيل أن يدور حوار حقيقي من دونه، هو الثقة بالنفس، وتميز الذات، ولهذا لا يمكن أن تكون البداية إلى حوار حضارات، أو ثقافات، أو أديان، أو مجتمعات مدنية، أو سمّها ما شئت، إلا من منطلق أوّل، أن نستعيد التوازن في تعاملنا مع أنفسنا، مع حقيقة ما نحن عليه، وما نملكه، أو لا نملكه ويمكن أن نستفيد منه -لا أن نتلقفه هكذا دون تفكير- فيما يسدّ ثغرات لدينا، عبر بعض ما لدى الآخر، وكذلك مع استيعاب حقيقة ما عليه الآخر وما يملكه، وما لا يملكه ويمكن أن نقدّمه له، وهو -إن تلقّاه- لا يتلقاه هكذا دون تفكير كما يريد منّا أن نصنع!.
 
------------------------------
 
من أجل الحوار مع الغرب يجب أن نكون وسطيين، معتدلين، منفتحين، ديمقراطيين، وأن نعيد النظر في خطابنا الإسلامي ونصوّبه، وفي مناهجنا التعليمية ونصحّحها، وفي حماستنا الإعلامية ونكبح جماحها، وفي حركاتنا الإسلامية ونطهّرها، وفي انتشار الإرهابيين لدينا ونقضي عليهم، وفي مواقفنا من قضايانا فلا نبالغ في مطالبنا فيها، وأن نتخلّى عن فكر المؤامرة المعشعش فينا، والعواطف الغالبة على ردود أفعالنا، والاستبداد داخل بيوتنا وجماعاتنا ودولنا، وانتهاكنا لحقوق الإنسان، وهدرنا لحقوق المرأة، ومن صراعنا على الفتات ممّا بقي لنا من حقوق!
 
هل نحن مرضى إلى هذه الدرجة فعلا؟.. هل أصبح لكل وباء فينا نصيب؟.. هل ينبغي أن نكون شيئا آخر غير ما نحن عليه، من أجل الحوار مع الغرب؟.
 
أليس هذا بالذات هو ما يظهر لمن يتأمّل في حجم ما انعقد من مؤتمرات، وتشكل من هيئات، ونُشر من مقالات، وصدر من دعوات، محورها بعض ما سبق أو ما شابهه، تارة تحت عنوان الوسطية حتى استهلكنا أصالتها، أو الاعتدال حتى تشدّدنا باسمه على أنفسنا، أو الانفتاح حتى لم يبق باب لدارنا موصدا في وجه كلّ من هبّ ودبّ وقتل ودمّر ونهب واغتصب، أو الديمقراطية وكأنهّا سرّ أسرار الحياة من عهد آدم إلى يوم يبعثون!..
 
كأنّ كاتب هذه السطور يسمع همس من يهمس: إن في العبارات الماضية مبالغات وفق أسلوب إنشائي في التعبير؛ وهذا صحيح، وصحيح أيضا أن القارئ العربي يفهم هذا الأسلوب الإنشائي العربي، ويعلم أنّ المقصود هو لفت الأنظار إلى قضية معيّنة، وأنه أسلوب ينطوي على ذكر حقائق موجودة فعلا، بحجم معيّن، يجري تضخيمه أحيانا من أجل تنبيه الأبصار إليه.
 
والجدير بالذكر أنّ هذا أسلوب معروف ومنتشر في لغات العالم الأخرى، الغربية أيضا، ولكن المطلوب منّا بالذات، ومن أجل الحوار مع الغرب في الدرجة الأولى، شطب هذا الأسلوب التعبيري أيضا من أدبياتنا، كسائر ما يراد أن نشطبه من معالم وجودنا وتميزنا، السياسية وغير السياسية، ثم أن نكتب إذا كتبنا في قضية الحوار التي تجمع بين عوامل العقل والوجدان، بلغة أخرى، عُرفت في منطق العلوم الطبيعية المجرّدة!..
 
من المريض حضاريا؟
 
نحن مرضى حضاريا.. هذا واقع لا ينكره حريص على النهوض من جديد.. ولكن من يتأمّل فيما سبق التنويه به دون تفصيل كبير، يظنّ وكأنّنا نحن الذين صنعنا حربين عالميتين في ختام مسلسل حروب لم ينقطع لأكثر من ألفي عام، ونحن الذين ألقينا القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، ونحن الذي حرقنا فيتتنام حقلا حقلا وبيتا وبيتا ليلحق من لحق من أهلها بالهنود الحمر إلى العالم الآخر، ونحن من سرقنا ثروات كل بلد استعمرناه واستعبدنا أصحابها، واغتصبنا كلّ حكم فرضنا هيمنتنا عليه، حتى انتشرت المجاعات والكوارث الأخرى بين نصف البشرية أو أكثر، وأننا نحن الذي صنعنا أدوات التعذيب المستخدمة في سجوننا ومعتقلاتنا، ونحن الذين نحبّ الاستبداد وندعمه ماليا وسياسيا وعسكريا داخل بلادنا وخارجها، ونحن الذين جعلنا من جوانتانامو رمزا للوحشية ومن أبو غريب رمزا للإجرام ومن فلسطين رمزا للاغتصاب ومن العراق رمزا للهمجية، ونحن من نشرنا بسياساتنا وتقنياتنا وإباحية غرائزنا وقوانيننا أوبئة المخدرات والإجرام الجنسي بحق الأطفال وصدّرنا الدعارة ونقص المناعة مع نشر الشذوذ وتقنينه!.
 
نحن مرضى حضاريا.. نعم، ولكن لا ينبغي أن نتصوّر شفاءنا ونهوضنا من جديد أمرا قابلا للتحقيق عن طريق السقوط في حضيض أمراض "حضارية" أخرى!..
 
الحوار مع الآخر مطلوب، ولكن إن كان حوارا، ولم يصبح مسبقا ذوبانا، وهو طلب مقابل طلب، وليس أمرا وطاعة، وله طرفان، الذات والآخر، وله شرط يستحيل أن يدور حوار حقيقي من دونه، هو الثقة بالنفس، وتميز الذات.
 
لهذا لا يمكن أن تكون البداية إلى حوار حضارات، أو ثقافات، أو أديان، أو مجتمعات مدنية، أو سمّها ما شئت، إلا من منطلق أوّل، أن نستعيد التوازن في تعاملنا مع أنفسنا، مع حقيقة ما نحن عليه، وما نملكه، أو لا نملكه ويمكن أن نستفيد منه -لا أن نتلقفه هكذا دون تفكير- فيما يسدّ ثغرات لدينا، عبر بعض ما لدى الآخر، وكذلك مع استيعاب حقيقة ما عليه الآخر وما يملكه، وما لا يملكه ويمكن أن نقدّمه له، وهو -إن تلقّاه- لا يتلقاه هكذا دون تفكير كما يريد منّا أن نصنع!.
 
الحوار في واد والممارسات في واد:
 
من أواخر ما اطّلعت عليه من الكتب الحديثة الصدور في ألمانيا ما تحدّث كاتبه -وهو ميشائيل لودرز المصنف كخبير بشؤون الإسلام- قوله بما معناه إنّ الأوروبيين في تعاملهم مع المسلمين الذين أصبحوا جزءا من مجتمعاتهم، لا يعرضون عليهم الحوار، بل صيغا إملائية، أن يصبحوا شيئا آخر، ويصبح إسلامهم وفق شعار "إسلام أوروبي"، ليتم قبولهم، بينما تجاوز الواقع هذه الصيغة، والمطلوب حوار يقوم على أساس عملية تبادلية.
 
هل نستوعب مثل هذه الصورة فعلا داخل بلادنا الإسلامية، حيث تكوّنت منظمات إسلامية تؤكّد الوسطية، ونشأت مواقع شبكية تدعو إلى الاعتدال، وانعقدت وتنعقد مؤتمرات في اتجاه مماثل. وقليلا ما رصدنا مواقف ذاتية قويمة معبّرة عن معنى الحوار، مثل رفض بعض الجهات الإسلامية المعتبرة استمرارَه مع الكنيسة الكاثوليكية الرومية ما دامت تشارك من خلال رأس السلطة فيها في الإساءات إلى مقام النبوة وترفض الرجوع أو الاعتذار الصريح عنها.
 
الغريب المستهجن مقابل ذلك، أنّنا في القضايا التي تتطلّب حوارا فيما بيننا، تصدر عن بعض الجهات المسموعة الكلمة فكريا وسياسيا وإسلاميا، مواقف وممارسات، انتشرت على نطاق واسع على مستوى الشبيبة، من شأنها اتخاذ أشدّ المواقف تصلّبا في قضايا النزاعات المختلفة القائمة، وهو ما لا يقتصر على جهة دون جهة، فنرصد ذلك فكريا، كما يصنع الأصوليون العلمانيون في "تجريمهم" المسلمين والتشكيك حتى فيما يطرحونه من مواقف وتصوّرات بشأن التعددية مثلا، ونرصد ذلك عقديا، كما في التعامل مع الفتنية الطائفية وإثارتها من جانب هذا الاتجاه أو ذاك، ونرصد ذلك سياسيا، كما في تعامل الحاكم مع الأحزاب الأخرى، وتعامل معارضيه مع أصل وجوده، ونرصد ذلك تسليما منكرا لكلّ ما هو مرفوض ولكنه موجود، سواء من جانب بعض الدول تجاه عدوّ خارجي، أو من جانب بعض الأتباع تجاه مستبد داخلي، أو من بعض الأنظمة تجاه أنظمة أخرى.
 
أين هنا السلوك المماثل، لما سبق الحديث عنه "إنشائيا"، بأن يعطي الطرف المتهم بالتشدّد الدليل بعد الدليل على "حسن نواياه" و"استعداده للتغيير"، فيتراجع عن بعض ما يطرحه في صيغة صواب مطلق، وليس هو بالصواب المطلق، بحيث نكرّر تلك العبارات الإنشائية في المقدمة، بمضمون آخر، وليكن مثلا:
 
من أجل الحوار مع بعضنا بعضنا يجب أن نكون وسطيين معتدلين منفتحين تعدّديين، وأن نعيد النظر في مناهج أحزابنا وجماعاتنا وسياساتها، وفي ممارسات حكوماتنا تجاه الآخر داخل أقطارنا، وفي أجهزتها وأجهزة المعارضة فنطهّرها، وفي أوضاع الفاسدين المفسدين فنقصيهم، وفي حملاتنا الإعلامية المتعادية فنكبح جماحها، وأن نتخلّى عن فكر المؤامرات وممارساتها تجاه بعضنا بعضا، وعن تشبّث حكام جماعاتنا كحكام بلادنا بما يحسبونه كرسي تشريف لا تكليف، وعن كل ما ينافي الكرامة الإنسانية في تعاملنا مع بعضنا بعضا، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، أثرياء وفقراء، أصحاب مناصب وعاملين لولا عملهم ما كان لنا وجود وبقاء!.
 
من شروط سلامة الحوار مع الغرب:
 
إن الحوار مع الغرب يفرض علينا موقفا مشتركا جامعا إلى أقصى الحدود الممكنة على معطيات أساسية أولية لينجح الحوار، ومنها كأمثلة معدودة فقط على ما يطالب به الغرب وما يجب أن يوضع بالمقابل للحوار إلى أن تستقر النتائج على صورة قويمة:
 
1- مكافحة الإرهاب الصادر عن ديارنا تحت عناوين مختلفة، مادة على جدول أعمال الحوار جنبا إلى جنب مع مكافحة الإرهاب الصادر عن ديار الغرب تحت عناوين الحروب الاستباقية وغير الاستباقية والعدوان والاحتلال والاغتصاب واحتكار التسلح وألوان الحصار لمنع توافر قوة الردع لدينا، ناهيك عن إملاء الرؤى الفكرية والثقافية والاجتماعية والأدبية والسياسية وغيرها.
 
2- تعديل موادّ دراسية وتربيوية وإعلامية وثقافية وفنية وتوجيهية لدينا -وليس المقصود هنا إطلاقا مواد العربية والتاريخ والدين بما يقضي على أصل وجودنا وتميزنا بشريا- لتخلو مما يوصف بالتحريض على الغرب، وإن كان في صورة مقاومة مشروعة لعدوانه وهيمنته، مادة جدلية المضمون (يمكن أن يوصل الحوار إلى بيان الصواب فيها) على جدول أعمال الحوار، ولكن جنبا إلى جنب مع تعديل المواد الدراسية والتربيوية والإعلامية والثقافية والفنية والتوجيهية وغيرها في الغرب، الحافلة بألوان لا حصر لها لصناعة "صورة العدو" وتجسيدها في الإسلام والمسلمين وجميع من يسكن في ديار الإسلام ما لم يكن غربي القلب والهوى والعقل.
 
3- فتح أبواب بلادنا أمام استثمارات أجنبية، وبضائع أجنبية، وخدمات أجنبية، وغير ذلك ممّا يريده الغرب لتحقيق أرباح مادية لنفسه، كحدّ أدنى، ولتحقيق هيمنة مطلقة، كممارسة واقعية، مادة من مواد جدول أعمال الحوار، لتحقيقه بعد تنقيته من الهيمنة وكل ما يتفرع عنها، جنبا إلى جنب مع مادة فتح أبواب الغرب أمام استثماراتنا دون ممارسات التمييز ضدّها لأنها من مصادر إسلامية، وتأمينها مع وقف عمليات المصادرة وما يشابهها تحت طائلة الشبهة دون الاحتكام إلى جهة قضائية مستقلة، وأمام مزروعاتنا ومصنوعاتنا وابتكاراتنا الإبداعية دون ممارسات حماية جمركية وغير جمركية للحيلولة دون منافستها على قدم المساواة لسواها.
 
ويمكن تعداد المزيد من ميادين عديدة أخرى، وجميعها ما يمكن وضع قاعدة أساسية عامة له، إنّ الواقع القائم هو واقع مشهود بين الغرب وهو الطرف المعتدي، سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، والمعتدى عليه في هذه الميادين وسواها، ولا حوار بين المعتدي والمعتدى عليه، ما لم تتوافر له من البداية معطيات وشروط وضمانات وقواعد، ليكون هادفا، بصورة عملية لا نظرية، إلى إزالة العدوان بمختلف أشكاله وإزالة آثاره بمختلف صورها وميادينها، ولهذا فالتغيير المطلوب مطلوب بخطوته الأولى وكثيرا من الخطوات التالية من جانب الغرب.
 
الغرب هو المطالَب –إذا أراد الحوار الحقيقي حقا- بالوسطية والاعتدال والانفتاح والديمقراطية والسلام والأمن وتعديل الخطاب السياسي وغير السياسي، وتعديل المناهج والممارسات البعيدة المدى واليومية، ووضع حد للمؤامرات الخفية والعلنية، وإزالة الاستبداد الدولي الذي يمارسه ويسبب شرّ الموبقات في العلاقة مع الآخر.
 
من شروط الشفاء الداخلي:
 
لسنا مرضى حضاريا فقط بل نحن مصابون بالخلل حتى في عملية البحث عن دواء وشفاء، ومصابون في محاولات دخول بوابة ما يسمّى الحوار طلبا لحلول سحرية، مع ما يشبه الانفصام في الشخصية، وهو ما جعلنا أذلاء على الأعداء أشداء على بعضنا بعضا، نخطو في كل اتجاه خطوة، وإلى الوراء خطوتين، ولا نتحرّك من مكاننا.. إلا إلى الوراء.
 
وإذا كانت بداية الحوار الحقيقي الهادف المفيد مع الآخر خارج ديارنا هي الثقة بالنفس وتميز الذات، فإن بداية الحوار الحقيقي الهادف المفيد مع الآخر داخل ديارنا -أي مع بعضنا بعضنا فكلّ منا هو الذات وهو الآخر في دائرتنا الحضارية المشتركة- لن تكون بداية موصلة إلى خطوة تالية، إلاّ بالتخلّي أولا عن اعتداد زائد بالنفس، وعن تميّز استعلائي للذات.
 
من الأمثلة على ذلك دون حصر:
 
1- أصبحت الغالبية تنادي بالتخلّي عن الغلوّ والتطّرف والتنطّع والتشدّد وما إلى ذلك.. بحق، ولكنها تنادي بذلك تجاه الآخر، ولكنّ هذه الغالبية تنطوي على فريق له أغراض سياسية ما بسبب الموقع الذي يشغله في واقع الأمة، وهنا نجده هو المطالَب أولا بالتخلّي عن التمييع والتسييب والانحرافات، فليس لنداءاته مصداقية دون ذلك.. ونجد في هذه الغالبية فريقا آخر أيضا، ينادي بالتخلّي عن التشدّد.. إلا تشدّده هو وراء مذهبه أو اجتهاده أو تصوّره، وبالتخلّي عن التنطّع.. إلا تنطّعه هو في أسلوب مخاطبته لمن يعتبرهم أخطر الأعداء الداخليين، وليس لنداءات هذا الفريق أيضا مصداقية ما دام متشبثا بهذا السلوك، فالمفروض أن يكون على جدول أعمال حوار بينيّ داخلي حقيقي، ما يستهدف تخلّي جميع المتشددين المتطرفين عن مختلف أشكال التشدد والتطرف. ليس من أجل حوار مع الغرب بل من أجل أن نكون طرفا واحدا وإن تعدّدت أطيافه، تجاه الآخر، الغرب المتعدّد الأطياف.
 
2- أصبحت السلطات تستخدم ما توارثته بمختلف أنواع التوارث من قوة السلطة، لتفرض من خلالها شكل التعامل مع الآخر ممّا يوصف بالمعارضة، فهي التي تقرّر -كما لو كان ذلك حق رباني طبيعي ممنوح لأفرادها وهم بشر يخطئون ويصيبون- حجم حرياتها وحقوقها، أو حجم حرمانها وتقييدها وحتى البطش بها، وهي التي تقرر ما على المعارضة أن تلتزم به من خطوط حمراء في التعبير عن رؤاها باسم الشعوب، مقابل خرق السلطات مختلف الخطوط الحمراء في صنع ما تريد باسم الشعوب، ثم يرتفع شعار يقول ما مغزاه، الحوار هو المطلوب من المعارضة بدلا من أعمال "الشغب".. والشغب هنا هو جماعات واجتماعات حظرها قانون جائر، ومظاهرات وإضرابات منعها حكم الطوارئ أو ما هو في منزلته، ودعوات إلى تبديل السلطة، بعد جعل السلطة سلعة احتكارية في عالم التجارة السياسية. إنّ الكرة كما يقال في ملعب السلطات، فكما نطالب الغرب بالتخلي عن استبداده الدولي ليكون حوار حقيقي هادف متوازن، يجب أن يكون الطلب واضحا بينا أن تتخلى السلطات عن الاستبداد الداخلي ليكون حوار حقيقي هادف متوازن.
 
3- بعض ما نشأ من منظمات وفعاليات ومواقع شبكية وغيرها، تحت عنوان قويم وبمضمون قويم، بشأن الوسطية والاعتدال وما يتبعهما، أصبح مرخصا له أن يعمل بحرية، ليؤدّي مهمة مطلوبة منه، جناحها الأول على وجه التعميم نشر هذا الفكر القويم على المستويات الشعبية، وجناحها الآخر على وجه التعميم أيضا تصحيح الصورة الخاطئة السلبية لدى الغرب، وجميع ذلك ضروري ومفيد، ولكنه لا يحدث من باب التخصص مقابل وجود عمل آخر مصرّح به ومدعوم رسميا ليكمل المطلوب، والمطلوب المفتقد على الصعيد الداخلي، هو قضايا التطرف والتشدد وانتهاك الوسطية والاعتدال في ميادين تحمل السلطات المسؤولية الأكبر عنها، فالفساد المالي من أخطر أشكال التطرّف في التعامل مع الحقوق الفردية والجماعية وثروات الأمة وحاضرها ومستقبلها، والفساد السياسي كذلك، والقمع باسم الأمن كذلك، والخلل لا يقتصر على ما يحمل عناوين إسلامية وتمثله جماعات صغيرة وكبيرة بحيث يمكن الاكتفاء بفتح الأبواب أمام توجهات الوسطية والاعتدال للحدّ من أثرها ومفعولها، مع تقييد تلك التوجهات فيما يتجاوز هذه "المهمّة" ويمس السلطات بصورة من الصور.
 
لن يساهم حوار مع الآخر في تحقيق شفائنا حضاريا، قبل أن يتحقق داخل الديار، وتفتح له أبواب الحوار فيما بيننا دون قيود واستثناءات، وتكون ضوابطه متوازنة متكاملة، سارية المفعول بصورة متكافئة على جميع الأطراف.
 
هذا ما ندعو إليه ونرجوه، ندعو إليه بخطاب وجداني، وخطاب عقلاني، بأساليب التأثير الخطابي وأساليب الإقناع المنطقي، وفيه الخير الذي نتطلّع إليه، من أجل أمتنا جمعاء، شعوبا وحكومات، سلطات ومعارضة، علماء وعامّة، على تعدّد تيارات أمتنا وطوائفها وألسنتها وأوضاعها، من أجل الإنسان ومن أجل أسرة بشرية إنسانية تحمل هذا الوصف بجدارة.
 
* كاتب ومفكر سوري مقيم بألمانيا.
 
"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"
 
 



  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته