Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


فتح قبرص في رمضان ... فتحٌ شريفٌ على يد الأشرف البريد الإلكتروني
كتب أ. أحمد حسين الشيمي*   
21/09/2010

Image

"قاوم" خاص - وعن هذا الفتح العظيم يقول المؤرخ المعاصر ابن تغري بردي: "وعظم ازدحام الناس على كُتاب المماليك ليكتبوهم في جملة المجاهدين في المراكب المعينة، حتى أنه سافر في هذه الغزوة عددٌ من أعيان الفقهاء، ولما صار السلطان لا يُنعم لأحد بالتوجه بعد أن استكفت العساكر، سافر جماعة من غير إذن، وأعجبُ من هذا، أنه كان الرجل ينظر في وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله لما بوجهه من السرور والبشر بفرحة للسفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعين للجهاد..."

 

-------------------------

 

مخرت سفن المسلمين عباب البحار للجهاد ونشر دين الله في كل منطقة يصلون إليها، كما طوت خيلهم فلوات الأرض حتى وصلت أقصاها.

 

وكانت جزيرة قبرص، من المناطق التي فتحها المسلمون منذ عصر مبكر، حيث وصلها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة 28 هـ، لتكون بعد ذلك خاضعة للمسلمين تدفع لهم الجزية كل عام.

 

وظلت كذلك مدة من الزمن حتى إذا ضعف المسلمون بعد ذلك طمع فيهم الأعداء من نصارى أوروبا، فغزوهم بجيوش جرارة متتابعة، وسقطت بعض المناطق الإسلامية في أيديهم، ومنها جزيرة قبرص.

 

والحقيقة أن هذه الجزيرة بموقعها الإستراتيجي شرق البحر الأبيض المتوسط، ظلت طيلة الحروب الصليبية قاعدة ينطلق منها الصليبيون لمهاجمة العالم الإسلامي، وأصبح حكامها أكثر النصارى تعصبًا  للحروب الصليبية ورغبة في استمرارها، ولذا ظلوا يسعون لدى ملوك أوروبا ويطلبون منهم إرسال الحملات العسكرية لتحطيم العالم الإسلامي.

 

وفي سنة 769 هـ، قاد ملك قبرص حمل صليبية اتجهت نحو الإسكندرية وهاجمها في غفلة من حكامها، واستطاع دخولها فأعمل السيف في رقاب المسلمين وقتل وأسر ونهب، وكانت مقتلة عظيمة لم يصب هذا الثغر بمثلها قبل ذلك، وعاد هذا الملك الصليبي الحاقد على الإسلام محملاً بما نهب من المسلمين، وظل حكام المماليك في مصر يتحينون الفرصة للأخذ بالثأر والقضاء على خطر هذه الجزيرة ومعاقبة حكامها، حتى تولى حكم مصر السلطان المملوكي الأشرف برسباي.

 

السلطان برسباي:

 

بدأ "برسباي" حياته مثل آلاف المماليك الذين يُجلبون إلى مصر، ويتلقون تعليمًا شرعيًا وتربية خاصة في فنون الحرب والقتال، ثم يلتحقون بخدمة السلاطين، وكبار الأمراء، وترتقي ببعضهم مواهبهم وملكاتهم إلى المناصب القيادية في الدولة، وقد تسعدهم الأقدار فيصعدون إلى سدة الحكم والسلطنة، فيصبحون ملء الأسماع والأبصار، وتتطلع إليهم الأفئدة والقلوب، بعد أن كانوا مجهولي النسب، مغموري الأصل، ولكن رفعتهم همتهم أو ذكاؤهم وحيلتهم.

 

كان برسباي مملوكا للأمير "دقماق المحمدي" نائب "ملطية"، الذي اشتراه من أحد تجار الرقيق، ومكث في خدمته زمنًا، ولقب بالدقماق نسبة إليه، فأصبح يعرف ببرسباي الدقماقي، ثم أهداه سيده إلى السلطان الظاهر "برقوق" سلطان مصر، فأعتقه، وجعله من جملة مماليكه وأمرائه.

 

وبعد وفاة السلطان برقوق تقلّب في مناصب متعددة في عهد من خلفه من السلاطين، حتى نجح في اعتلاء عرش السلطنة في (8 من ربيع الآخر سنة 825هـ، وهو السلطان الثامن في ترتيب سلاطين دولة المماليك الجركسية، والثاني والثلاثون في الترتيب العام لسلاطين دولة المماليك).

 

وقد نجح السلطان برسباي في الفترة التي قضاها في الحكم -وهي نحو سبعة عشر عامًا- في إشاعة الأمن والاستقرار، والقضاء على الثورات والفتن، التي شبت في البلاد، والضرب على أيدي الخارجين على النظام، كما فعل مع ثورة طائفة المماليك الأجلاب، وهم الذين جاؤوا إلى مصر كبارًا، وكانوا قد عاثوا في الأرض فسادًا لتأخر رواتبهم في عامي (835هـ، 838هـ).

 

وفي هذه الأثناء، ظلت غارات القبارصة على حالها لا تنقطع على الموانئ الإسلامية، وبلغ استهانة القبارصة بهيبة المسلمين واغترارهم بقوتهم، أن اعتدى بعض قراصنتهم على سفينة المسلمين سنة 826هـ، وأسروا من فيها.

 

وتمادى القبارصة في غرورهم فاستولوا على سفينة محملة بالهدايا كان قد أرسلها السلطان برسباي إلى السلطان العثماني "مراد الثاني"، عند ذلك لم يكن أمام برسباي سوى التحرك لدفع هذا الخطر، والرد على هذه الإهانات التي يواظب القبارصة على توجيهها للمسلمين، واشتعلت في نفسه نوازع الجهاد، والشعور بالمسؤولية، وقرر القيام بغزو جزيرة قبرص.

 

حملات ثلاث:

 

وأخذ السلطان برسباي يستعد لذلك بتجهيز المراكب وتجميع العساكر، وأرسل لها ثلاث حملات متتاليات في ثلاث سنوات ابتداءً من سنة 827هـ، وكلها في شهر رمضان المبارك.

 

خرجت الحملة الأولى، وكانت حملة صغيرة نزلت قبرص، وهاجمت ميناء "ليماسول"، وأحرقت ثلاث سفن قبرصية كانت تستعد للقرصنة، وغنموا غنائم كثيرة، ثم عادت الحملة إلى القاهرة.

 

فشجع هذا الظفر السلطان برسباي لإعداد حملة أعظم قوة من سابقتها لإعادة فتح قبرص، فخرجت الحملة الثانية في سنة 828هـ، مكونة من أربعين سفينة، واتجهت إلى الشام، ومنها إلى قبرص، حيث نجحت في تدمير قلعة ليماسول، وقُتل نحو خمسة آلاف قبرصي، وعادت إلى القاهرة تحمل بين يديها ألف أسير، فضلاً عن الغنائم التي حُملت على الجمال والبغال.

 

وفي الحملة الثالثة استهدف برسباي فتح الجزيرة وإخضاعها لسلطانه، فأعد حملة أعظم من سابقتيها وأكثر عددًا وعُدة، فأبحرت مائة وثمانون سفينة من ميناء رشيد بمصر في سنة 829هـ، واتجهت إلى ليماسول، فلم تلبث أن استسلمت للمسلمين، وتحركت الحملة شمالاً في جزيرة قبرص، وحاول ملك الجزيرة أن يدفع جيش المسلمين، لكنه فشل وسقط أسيرًا، واستولى المسلمون على العاصمة "نيقوسيا"، وبذا دخلت الجزيرة في طاعة دولة المماليك.

 

وعن هذا الفتح العظيم يقول المؤرخ المعاصر ابن تغري بردي: "وعظم ازدحام الناس على كُتاب المماليك ليكتبوهم في جملة المجاهدين في المراكب المعينة، حتى أنه سافر في هذه الغزوة عددٌ من أعيان الفقهاء، ولما صار السلطان لا يُنعم لأحد بالتوجه بعد أن استكفت العساكر، سافر جماعة من غير إذن، وأعجبُ من هذا، أنه كان الرجل ينظر في وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله لما بوجهه من السرور والبشر بفرحة للسفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعين للجهاد، هذا مع كثرة من تعين للسفر من المماليك السلطانية وغيرهم، وما أرى هذا إلا أن الله تعالى قد شرح صدرهم للجهاد، وحببهم في الغزو وقتال العدو ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ولم أنظر ذلك في غزوة من الغزوات قبلها ولا بعدها".

 

ورجعت حملة النصر إلى القاهرة تجر خلفها 3700 أسير من بينهم ملك قبرص (جانوس)، الذي قبل الأرض ما بين قدمي (برسباي) وطلب منه العفو وإطلاق سراحه، فوافق على شرط أن يدفع مائتي ألف دينار فدية، وأن يتعهد بأن تظل قبرص تابعة لسلطان المماليك، ويكون هو نائب المماليك هناك، ودفع جزية سنوية، وانطلقت ألسنة الشعراء تشيد بهذا الفتح، ويقول أحدهم...

 

بفتوح قبرص بالحسام المشرفي* بشراك يا ملك المليك الأشرفى

لك أشرف في أشرف في أشرف* فتح بشـهر الصـوم تم له فيا

من أجله بالنصر واللطف الخفي* فتح تفتحـت السمـاوات العلى

عاداتها التأيـيد وهو بهـا حفي* والله حفَّ جنـوده بمــلائك

 

وهكذا انتصر المسلمون في هذا الشهر العظيم، بعد أن صدقوا في جهادهم واستعانوا بالله على أعدائهم، فوقهم ونصرهم رغم قلة عددهم وكثرة أعدائهم.

 

المراجع والمصادر:

 

• كتاب من معارك المسلمين في رمضان، تأليف عبد العزيز بن راشد العبيدي، مكتبة العبيكان، 1994، ص 81 وما بعدها.

• سام مبارك الفلق، رمضان شهر الجهاد، طريق الإسلام.

• أحمد تمام، الأشرف برسباي فاتح قبرص، إسلام أون لاين.

• كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تأليف يوسف بن تغري بردي، المجلد 14.

• الدكتور شافعي الموزمبيقي، دراسة فتح قبرص والسلطان برسباي.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

آخر تحديث ( 11/08/2013 )
 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته