Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


استراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه دول المغرب العربي البريد الإلكتروني
كتب أ. عادل عبد الونيس عرفة*   
10/12/2011
Image
"قاوم" خاص - بغض النظر عما ستئول إليه تطورات الأزمة الليبية الراهنة، بالإضافة إلي قرار تقسيم السودان، فإنها جميعها مقدمات لانتهاء عصر الدولة القومية الموحدة، وهي بيئة ملائمة لعمل حلف الناتو الذي يقدم إلي جانب القوة العسكرية "الأمن الناعم" للنهوض بالدول المنهارة. والخلاصة هي أن تدخل الناتو في الأزمة الليبية ربما لن يكون الأخير من نوعه في المنطقة العربية، وقد يتكرر إذا ما توافرت بيئة مماثلة.
 
-------------------------
 
صوّب الحلف الأطلسي بعيد نهاية الحرب الباردة وجهه نحو جناحه الجنوبي الذي رأى فيه مصدر تهديد. لكن سرعان ما سعى لردم الهوة بإطلاق حوار في عام 1994، مع جيرانه المتوسطيين، وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية:
 
1)     المساهمة في الأمن والاستقرار في المتوسط.
2)     تحقيق تفاهم متبادل.
3)     تبديد "الصور الخاطئة" عن الحلف.
 
وقد تمكّن إلى حد كبير من تغيير المناخ الأمني ومدركات التهديد في المنطقة، رغم أن صورته بقيت تعاني من السلبية. لكن تدخله في ليبيا، رغم الترحيب به في هذا البلد، يثير مخاوف في البلدان المغاربية على الصعيدين الرسمي والشعبي. وعلى هذا النحو يبدو أن الحلف أجهض جزءاً من التقدم الذي أحرزه لتحسين صورته.
 
أما غياب المظاهرات الشعبية المنددة بتدخله في ليبيا فهي دلالة على كرهٍ في القذافي وليس حبا في الأطلسي.(1)
 
وعلى الرغم من ذلك، فقد كان تدخل الخلف في ليبيا له تداعيات على العلاقات الأطلسية - المغاربية يصعب فهمها في الراهن لأنها مرهونة أيضا بتطورات محلية (في ليبيا والدول المغاربية الأخرى) وإقليمية. لكنْ مهما كانت الخلافات فإن وجود الحد الأدنى من المصالح المشتركة في ليبيا – والمتوسط والساحل – سيجعل الحلف وشركاءَه يُبقون على "شعرة معاوية" ريثما يمر الإعصار الليبي بسلام، على ألاَّ تعكر التطورات الإقليمية (فلسطين مثلا) والداخلية (الوضع في البلدان المغاربية التي لازالت في منأىً عن التغيير) الأجواء السياسية المتلبدة حاليا.
 
أولاً: سياسة حلف شمال الأطلسي في دول المغرب العربي:
 
من حيث طبيعة العلاقة مع الأطلسي، انتهجت الدول المغاربية سياسات مختلفة. فالمغرب وتونس تبنتا مبكراً توجها "أطلسيا"، أما موريتانيا فتبنت توجها مماثلاً نسبياً لكن متأخرة، فيما تميزت السياسة الجزائرية بالتردد ثم بالتطوير السريع للعلاقة مع الأطلسي تحت عنوان "محاربة الإرهاب".
 
أما ليبيا القذافي فبقيت خارج كل المبادرات الإقليمية. وإذا كانت العلاقة مع الأطلسي قد تساهم في أمن تونس وموريتانيا، فإن إسهامها في أمن المغرب والجزائر غير وارد، لأن الأول يعتمد على تحالفه مع أميركا، فيما تحتفظ الثانية بعقيدة عسكرية مستقلة عن المظلات الأجنبية. ونكتفي هنا ببعض التفاصيل عن المغرب وتونس لأنهما من أكثر الدول المغاربية "أطلسيةً".(2)
 
دأب المغرب على تقديم نفسه كشريك مميز للقوى الغربية. وكان اجتماع الرباط في عام 2006 بين الحلف والدول المتوسطية، الأول من نوعه في بلد متوسطي، تأكيداً على هذا التوجه. ويشدد المغرب دائماً على مساهمته في عمليات حفظ السلام في البلقان (البوسنة وكوسوفو) تحت قيادة أطلسية، فضلا عن توقيعه في عام 2009، على مذكرة تفاهم مع الحلف يتم بموجبها تبادل المعلومات الاستخباراتية، وكذلك مساهمته في العملية الأطلسية لمراقبة الملاحة في المتوسط، والمعنية بمحاربة الإرهاب. وقد عزز المغرب مكانته في علاقته مع القوى الغربية عندما منحته أميركا في عام 2004، صفة "حليف أساسي للولايات المتحدة خارج الحلف الأطلسي".(3)
 
أما تونس، فنظراً لانكشافها البنيوي، اعتمدت باكراً على علاقات مميزة مع القوى الغربية. فقد حدد بورقيبة التوجهات الاستراتيجية لبلاده م صرحاً في عام 1956، "بأنه لو كان القرار قرارَه فإن تونس ستختار الحلف الأطلسي على الجامعة العربية".
 
كما عرض تحويل قاعدة بنزرت، أين كانت ترابط قوات فرنسية، إلى قاعدة للأطلسي. ترك هذا التوجه الأطلسي - الغربي لتونس في عهد بورقيبة بصماته على سياسة البلاد. وعليه فإن انضمامها للحوار المتوسطي ليس إلا تأكيدا على هذا التوجه المبكر، وعلى علاقات أمنية وثيقة مع القوى والمنظمات الغربية.(4)
 
ثانياً: طبيعة العلاقات الأطلسية - المغاربية ما بعد ليبيا :
 
كاد عدد المواقف حيال التدخل الأطلسي في ليبيا يتوافق وعدد الدول المغاربية. وإن كان بالإمكان تلخيصها في ثلاثة مواقف. أولها الموقف الرافض للتدخل الأجنبي في شؤون الدول وكان هذا موقف الجزائر وموريتانيا، ثانيها موقف متسامح مع التدخل بحكم العلاقة التحالفية مع قوىً غربية، أميركا تحديداً، وبالتالي جاء الرفض المبدئي المحتشم للتدخل ظاهرياً فقط، وكان هذا موقف المغرب. أما الموقف الثالث فهو موقف تونس الانتقالية التي لم تعارض التدخل ولكن لم تسانده صراحة، وإن كان ميزان المساندة، كما هو في حال المغرب، ميالاً للثوار.
 
بغض النظر عن صواب هذه المواقف من عدمه، ما يهم هو كيف سينعكس هذا التدخل الأطلسي على علاقة الحلف مع الدول المغاربية؟
 
يمكن رصد منحى العلاقة من خلال هذه المواقف. فالمرجح أن تسير العلاقة بين تونس والمغرب من جهة والحلف من جهة ثانية على نهجها المعتاد وقد تتدعّم كمقابل لموقفي البلدين حيال التدخل في ليبيا.
 
أمّا موريتانيا، فإن انكشافها وضعفها سيجعلانها تسعى للإبقاء على "شعرة معاوية" مع الحلف حتى وإن أبدى هذا الأخير نوعا من البرودة في التعامل معها. وإن كانت التجربة تشير إلى قدرة النظام الموريتاني على التأقلم. فبعد الانقلاب العسكري علق الحلف نشاطات التعاون مع موريتانيا، لكنه سرعان ما عاودها بعد انتخابات تعددية خرجت من رحم الانقلاب العسكري.
 
فضلا عن ذلك فإن تعاون موريتانيا مع قوىً غربية (فرنسا وأميركا) في مكافحة الإرهاب والهجرة السرية وقيامها بمناولة أمنية في هذا الإطار لصالح القوى الغربية والأطلسي، يُبقي على أهميتها من منظور غربي- أطلسي، خاصة إذا اشتد عود القاعدة في الساحل بفعل الأزمة الليبية.(5)
 
أما ليبيا ما بعد القذافي فستكون علاقتها مع الحلف متميزة لاعتبارات لا داعي للتوقف عندها. وستنضم ليبيا إلى الحوار المتوسطي للحلف في وقت مبكر لتكون بذلك العضو الثامن في هذا الحوار الذي يضم دولاً عربية متوسطية (مصر، تونس، الجزائر، المغرب) وغير متوسطية (الأردن وموريتانيا والكيان الصهيوني). وقد بقيت ليبيا القذافي خارج هذا الحوار لحذر وتردد الحلفاء وتقلب مزاج القذافي.(6)
 
على النقيض من ذلك قد تشهد العلاقة الجزائرية - الأطلسية برودة أو تعليقاً ولو بشكل غير رسمي ومؤقت، ليس فقط لمعارضة الجزائر التدخل ولكن لاعتبار ذلك مصدر تهديد لأمنها القومي. فهي غير مطمئنة لوجود قوات أطلسية على حدودها الشرقية، وتبدي قلقا من انتشار رجال المخابرات الغربية وربما أفراد من القوات الخاصة الغربية في جنوب شرقي ليبيا، أي على مقربة من حدودها.
 
كما أنها تنظر بعين الريبة إلى احتمال سماح نظام ليبيا الجديد للحلف بإقامة قواعد عسكرية على الأراضي الليبية. ومن هنا فنظراً لطبيعة العقيدة الأمنية للجزائر وللتدخل في ليبيا، فإن العلاقة بين الجزائر والحلف قد تشهد في المدى القريب، ولو لفترة وجيزة، فرملة للتعاون أو تأجيلاً في تنفيذ برامج التعاون الثنائية. بيد أن العلاقة الجزائرية - الأطلسية معقدة بعض الشيء وإشاراتها متناقضة ومستعصية الفهم أحيانا.
 
فرغم تحفظها وتأخرها في بعض مجالات التعاون مع الأطلسي، فإن الجزائر من أكثر الدول العربية المنخرطة في الحوار مشاركة (من حيث عدد الضباط الذين ترسلهم) في برامج التكوين التي تقدمها الكلية العسكرية للحلف في روما، حيث ترسل الجزائر بانتظام ضباط جيشها للتكوين هناك. بينما لا ترسل دول، تعتبر الأكثر تعاوناً مع الحلف، بعدد مماثل من الضباط للتكوين هناك.
 
ممّا سبق يمكن القول إن العلاقة مع الحلف قد تصبح، على الأقل في المدى القصير، مصدر خلاف إضافي في سجل الخلافات البينية المغاربية. فمن المرجح أن تكون ليبيا الجديدة أطلسية "حتى النخاع"، كعرفان منها وردٍ للجميل الأطلسي. ومن المرجح أن يقود هذا إلى اتجاهين متناقضين في العلاقة الأطلسية - المغاربية.
 
أولهما احتمال دخول الدول المغاربية في منافسة معكوسة جديدة في علاقاتها مع الأطلسي – في مجال المناولة الأمنية مثلا بما في ذلك محاربة الهجرة – ذلك أن السقف العالي الذي ستضعه ليبيا الجديدة قد يجبر جيرانها على مزيد من التنازلات لخطب ود الحلف سعيا لنيل المكانة ذاتها التي تتبوؤها ليبيا الجديدة، خاصة في حال بقاء أنظمة في منأىً عن التغيير الديمقراطي. ثانيهما، تجميد العلاقة بتعليق النشاطات التعاونية أو على الأقل خفض التعاون إلى أدنى مستوياته تعبيرا عن عدم الارتياح والريبة حيال الأطلسي، خاصة وأن الرأي العام في معظم الدول المغاربية يبدي ريبة تجاه الأطلسي ونواياه. ثم لا ننسى أن موقف الرأي العام العربي حياله لا تحكمه اعتبارات وطنية محلية – أي علاقة الحلف بكل بلد – وإنما إقليمية (فلسطين، أفغانستان، العراق، ليبيا...).(7)
 
والواضح أن الدول المغاربي ة، بمختلف توجهاتها، تُبقي على الاتصالات مع الحلف، حيث شاركت في اجتماع عقد مؤخراً في مقر الحلف ببروكسل ضم ممثلين عن وزارات الخارجية المغاربية. طبعا هذا المستوى المنخفض من التمثيل دلالة عن الحذر والتريث، لكن عدم مقاطعة هذا الاجتماع رسالة سياسية واضحة.
 
ثالثاً:- تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا وتأثيره في الأمن المصري والعربي :
 
‌أ- شكل الوجود الأطلسي في ليبيا بعد القذافي :
 
جاء على لسان الأمين العام لحلف الناتو أن "الحلف لا يعتزم نشر قوات برية في ليبيا"،(8) ولكن للحلف أشكالا أخري للوجود، وفقا لاستراتيجية "الأمن الناعم". ويتمثل ذلك في الحالة الليبية في "بناء المؤسسات الأمنية"، وذلك كما جاء في الرؤى الأكاديمية الصادرة عن الحلف إبان الأزمة الليبية، ومضمونها "أن رحيل نظام القذافي لا يعني بالضرورة استقرار الدولة، حيث لا تزال بحاجة إلي الجهود الدولية لبنائها، إذ تفتقر لهياكل ومؤسسات الحكم التي تعد عناصر ضرورية للأمن والاستقرار" (9) .
 
وواقع الأمر أن دور حلف الناتو تجاه بناء المؤسسات الأمنية داخل الدول ليس أمرا مستحدثا، وإنما بدأها الحلف في دول شرق أوروبا التي قام بعمليات علي أراضيها. ويعد إصلاح هذا القطاع خطوة أولي نحو سيادة نمط العلاقات المدنية - العسكرية داخل الدول التي تبدي قبولا للإصلاح الدفاعي. ولحلف الناتو تجربتان بارزتان بشأن إصلاح الجهاز الأمني في كل من العراق وأفغانستان، حيث تسهم 23 دولة من أعضاء الناتو في بعثة تدريب قوات الأمن العراقية، والتي تضطلع بمهمة رفع درجة احترافية القوات المسلحة العراقية من خلال تدريب و تعليم تلك القوات، ودعم القيادة العراقية وهيكل القيادة من خلال تحسين مراكز العمليات.(10)
 
 وفي ظل عدم وجود جيش نظامي في ليبيا - حيث إن الكتائب الأمنية التابعة للرئيس الليبي هي أهم أركان الهيكل الأمني غير الرسمي للسلطة ويقود معظمها أبناء القذافي- (11) فإن الفرصة تبدو مواتية للناتو لتكرار تجربتي أفغانستان والعراق، وهو ما يتيح للحلف نفوذا هائلا فيها.
 
 وربما كان قرار إيفاد خبراء أمنيين من أعضاء الحلف الخطوة الأولي ضمن هذه الاستراتيجية التي أشار إليها صراحة الأمين العام للحلف، أندريس فوج راسموسن، بالقول " إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أعلن سياسة بعيدة المدي لدعم الإصلاح الديمقراطي والتنمية الاقتصادية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وبإمكان الناتو تقديم إسهامات فريدة في هذا المجال. حيث ستشكل المؤسسات الدفاعية والأمنية الحديثة، الخاضعة بشكل كامل للمساءلة من جانب سلطات منتخبة ديمقراطيا، أولوية حيوية أمام ليبيا والكثير من الدول الأخري بالمنطقة". وأضاف "نرحب بليبيا الديمقراطية كشريك في الحوار المتوسطي".(12).
 
 إلا أن ذلك لا يعني أنه لا نية لدي الحلف لنشر قوات برية في ليبيا، بل إن هناك ثلاثة مؤشرات مهمة في هذا الصدد. أول هذه المؤشرات تصريح وزير الخارجية الروسي بأن "اعتزام كل من فرنسا وبريطانيا استخدام مروحيات قتالية يعد بداية لتحول مهمة الناتو في ليبيا إلي عملية برية.(13) ثانيها: ما أشار إليه قائد القوات البحرية الفرنسية، بيير فرانسوا فوريسيه، عن "نية قوات التحالف الانتشار في ليبيا بمجرد انتهاء القتال، وذلك من أجل تقديم المساعدات الإنسانية، إذ ستكون الوسائل العسكرية المستخدمة في المرحلة الأولي هي الأسرع والأسهل في التنفيذ".(14) أما المؤشر الثالث، فهو إشارة صامويل لوكير، رئيس قيادة العمليات المشتركة في نابولي -وهي التي تدير الحملات العسكرية علي ليبيا- إلي أنه "ربما تكون هناك حاجة لقوة صغيرة بمجرد انهيار نظام القذافي للمساعدة علي الانتقال إلي الديمقراطية". والجدير بالذكر أن وزراء دفاع الحلف - خلال اجتماعهم في بروكسل 7 يونيو 2011 - قد اتفقوا علي ضرورة التخطيط لدور الحلف في ليبيا بعد انتهاء نظام القذافي.(15)
 
‌ ب- تأثير وجود الناتو في الأمن القومي المصري:
 
 إن الوجود المباشر لقوات حلف الناتو في ليبيا، حتي وإن اقتصر هدفه علي تدريب قوات الأمن الليبية، من شأنه أن يرتب نتائج بالغة الخطورة بالنسبة للأمن القومي المصري من عدة اتجاهات، أهمها:
 
- الحد من القرارات الاستراتيجية لصانع القرار المصري: إن اكتمال الوجود العسكري الكثيف في المنطقة، ابتداء بالاحتلال الأمريكي للعراق، ومرورا بوجود قوات حلف الناتو في ليبيا، وانتهاء بإمكانية استدعاء دولة جنوب السودان لقوات دولية للحماية من تهديدات السودان مستقبلا، في ظل استمرار قضايا مثار نزاع بين الجانبين، يعني أن عناصر نظرية شد الأطراف لإضعاف منطقة الوسط تكون قد اكتملت أركانها في الحالة المصرية.
 
- يظل الأمن القومي المصري مرتهنا بمدي استقرار الأوضاع الداخلية في ليبيا. وربما تري بعض التيارات السياسية الليبية أو تنظيم القاعدة أن وجود الناتو يعد بمنزلة "احتلال" يتطلب "الكفاح المسلح". يعني ذلك أننا قد نكون إزاء صراع ممتد يعد تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري في ظل حدود بين الدولتين تمتد إلي نحو (1.49 كم2)، وعمالة مصرية علي الأراضي الليبية تصل إلي نحو مليوني عامل.
 
‌ ج- تأثير وجود الناتو في الأمن القومي العربي :
 
 إن تدخل الناتو في الأزمة الليبية علي ذلك النحو يعد انتهاء عمليا للحدود بين ما هو "عالمي" و"إقليمي". وقد قدم د. حامد ربيع تعريفا للأمن الإقليمي بأنه "سياسة مجموعة من الدول تنتمي إلي إقليم واحد تسعي، من خلال وضع وتنظيم تعاون عسكري لدول ذلك الإقليم، إلي منع أي قوة أجنبية أو خارجية من التدخل في ذلك الإقليم". أي أن جوهر هذه السياسة هو التعبئة الإقليمية من جانب، والتصدي للقوي الدخيلة علي الإقليم من جانب آخر، وحماية الوضع القائم من جانب ثالث.(16) إلا أنه في ظل احتواء الأقاليم، ومنها الإقليم الإفريقي، علي مصالح استراتيجية، سيظل هناك حافز للتدخل الدولي. وفي هذا الصدد، تعد ليبيا ثغرة مهمة لنفاذ الناتو للقارة الإفريقية التي تمثل تهديدا لمصالح أعضائه، من حيث تزايد معدلات الهجرة غير الشرعية، ناهيك عن المصالح النفطية. أما التحدي الأهم الذي يواجهه الحلف، فهو التصدي لتنظيم القاعدة في دول الشمال الإفريقي.(17).
 
 إن ولوج منظمة عسكرية بحجم ووزن الناتو إلي المنطقة العربية يعد تطوراً مهماً بالنسبة للأمن القومي العربي علي أكثر من صعيد. إن منح الحلف لنفسه حق القيام بـ "المهام الأمنية" في مناطق مختلفة من العالم، وهو مصطلح فضفاض قدم بموجبه دعما للولايات المتحدة في غزوها للعراق، ثم التدخل في ليبيا، يعني فقدان الجامعة العربية - وهي الكيان المؤسسي الذي يجسد هوية الأمن القومي العربي- زمام المبادرة بشأن الأزمات العربية لصالح منظمة حلف شمال الأطلسي.(18)
 
 كما أن ذلك يشير إلي إمكانية تدخل حلف الناتو في أزمات أخري، وبخاصة تلك التي ترتبط بالموارد المائية في دول حوض النيل. إذ ورد في المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف الصادر في عام 2010، أن "قضايا ندرة المياه والتغير المناخي وازدياد حجم الطلب علي موارد الطاقة تشكل محاور أخري للبيئة الأمنية التي سوف يضعها الحلف في بؤرة اهتمامه، خلال المرحلة القادمة، لتأثيرها في خطط الحلف وعملياته". من ناحية ثالثة، تمثل العلاقات الأطلسية - بالكيان الصهيوني المتنامية تحدياً جديداً للدول العربية، وبخاصة في ظل استمرارية انحياز الولايات المتحدة الأمريكية للكيان الصهيوني. وهو ما عكسه خطاب الرئيس الأمريكي بشأن الشرق الأوسط في 19 مايو 2011 بالقول "إن التزام الولايات المتحدة بأمن الكيان الصهيوني لا يتزعزع".(19)
 
 الجدير بالذكر أن حلف الناتو قد وافق عام 2009 علي مشاركة الكيان الصهيوني - بناء علي طلبها - في عمليات المسعى النشط التي يقوم بها الحلف في البحر المتوسط، بما يعنيه ذلك من أن الدول التي ستكون في حالة عداء مع الكيان الصهيوني ربما تواجه الناتو.(20)
 
 وفي ظل الوجود الأطلسي في المنطقة العربية، فإن الحلف سيكون طرفا في الترتيبات الأمنية المستقبلية. وقد تصبح منطقة الخليج، التي لم ينشأ فيها حتى الآن نظام أمني إقليمي، جزءا من "فكرة الناتو الشرق أوسطي". وهي إحدى الصيغ التي طرحت لأمن الخليج، وتضم إلي جانب دول الخليج الدول الأخرى "المعتدلة"، بالإضافة إلي أطراف أخري من دول الجوار.(21)
 
خاتمة :
 
 في الوقت الذي استطاع فيه حلف الناتو تطوير سياسات استراتيجية محددة في فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة - وذلك مع تطور مصادر التهديدات وطبيعتها - ابتداء بالدفاع الجماعي، ومرورا بالأمن الجماعي، وانتهاء بالتدخل في الأزمات،(22) لا توجد استراتيجية عربية للتعامل مع الأزمات التي تشهدها المنطقة، بما يعني ترسيخ آلية التدخل الدولي كحل لتلك الأزمات.
 
 وفي ظل مبادرتي حلف الناتو تجاه المنطقة العربية -الحوار المتوسطي عام 1994، واسطنبول عام 2004 - فضلا عن موافقة تركيا علي قرار الناتو بنشر الدرع الصاروخية علي أراضيها بنهاية عام 2015، وتأكيد وزير الدفاع التركي أن قاعدة أزمير الجوية التابعة لحلف الناتو سوف تتحول إلي مركز قيادة للقوات البرية للحلف،(23) بالإضافة إلي العلاقات المتنامية بين حلف الناتو والكيان الصهيوني، وخطط الناتو لإصلاح المؤسسات الدفاعية في الدول العربية (حالة العراق نموذجاً) ضمن ما يعرف بـ "الأمن الناعم" ، فإننا إزاء معادلة أمنية جديدة آخذة في التشكل، طرفها الرئيسي هو حلف الناتو، إلي جانب أطراف إقليمية أخري قد لا تتوافق مصالحها بالضرورة مع المصالح العربية.
 
وبغض النظر عما ستئول إليه تطورات الأزمة الليبية الراهنة، بالإضافة إلي قرار تقسيم السودان، فإنها جميعها مقدمات لانتهاء عصر الدولة القومية الموحدة، وهي بيئة ملائمة لعمل حلف الناتو الذي يقدم إلي جانب القوة العسكرية "الأمن الناعم" للنهوض بالدول المنهارة. والخلاصة هي أن تدخل الناتو في الأزمة الليبية ربما لن يكون الأخير من نوعه في المنطقة العربية، وقد يتكرر إذا ما توافرت بيئة مماثلة. وهو ما يتعين أن يؤخذ بعين الاعتبار من جانب صانع القرار العربي بشأن تأثير هذا التدخل في مجمل الأمن القومي العربي.
 
* الهوامش:
 
1)         رونالد أسموس، إعادة بناء الحلف الأطلنطى، ترجمة شيماء عاطف الحلوانى، قراءات استراتيجية، السنة الحادية عشر، العدد الخامس (القاهرة: مايو 2006)، ص ص 49 – 57.
 
2)         د. عبد العزيز بن عثمان بن صقر، الناتو في ليبيا .. الاختبار عربياً والاقتراب خليجياً، جريدة الرياض، 15 يوليو 2011.
 
3)         نفس المرجع، ص 52.
 
4)         أثير ناظم عبد الواحد، الوطن العربي في استراتيجية حلف الناتو بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، رسالة ماجستير منشورة، معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية، القاهرة 2008، ص ص29-03.
 
5)         أحمد طاهر، اختبار شنجن .. سياسات الهجرة وتأثيراتها في الوحدة الأوروبية، السياسة الدولية، العدد (القاهرة: يوليو 2011)، ص ص 20 – 27.
 
6)         د. مصطفي علوي سيف، استراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه منطقة الخليج العربي، سلسلة دراسات استراتيجية، العدد 129، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2008.
 
7)         Steven Metz, Is Libya the End of NATO?, Global Times, 16 April 2011. At: www.realclearpolitics.com
 
8)         صحيفة الأهرام، 21 مايو 2011.
                                                                                    
 
 
11)     زياد عقل، عسكرة الانتفاضة .. الفشل الداخلي والتدخل الخارجي في الجماهيرية الليبية، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، أبريل 2011.
 
12)     أندريس فوج راسموسن، الناتو والربيع العربي، صحيفة الشرق الأوسط، 3 يونيو 1102.
 
13)     صحيفة الرياض، 6 يونيو2011.
 
14)     التصريح منشور في صحيفة الوطن السورية، 5 يونيو 2011.
 
15)     التصريح منشور في صحيفة الوطن السورية، 9 يونيو 2011.
 
16)     د. حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط، دار الموقف العربي، 1984، القاهرة، ص83.
 
17)     د. أشرف محمد كشك، التدخل الأطلسي في ليبيا .. انتهاء الحدود بين الأمن الإقليمي والعالمي، صحيفة عمان العمانية، 12 أبريل 2011.
 
18)     د. محمد حسون، الاستراتيجية التوسعية لحلف الناتو وأثرها علي الأمن القومي العربي، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 26، العدد الثاني 2010، ص943.
 
19)     صحيفة الأهرام، 20 مايو 2011.
 
20)     د. أشرف محمد كشك، السياسات الجديدة لحلف الناتو ودلالاتها الإقليمية، صحيفة عمان العمانية، 12 يناير 2011.
 
21)     Dr. Ashraf Kishk, Raegional Security Models Propsed for the Gulf Region (analysis of GCC Iran interactions) Gulf Research meeting, Cambridge University 7-10 July, 2010.
 
22)      للمزيد حول استراتيجية حلف شمال الأطلسي في إدارة الأزمات، أنظر: جون كريندلر، إدارة الأزمات ونظام الناتو الجديد للإنذار المبكر، ترجمة هشام بشير، قراءات استراتيجية، السنة التاسعة، العدد السادس (القاهرة: يونيو 2004)، ص ص 25 – 27.
 
23)     التصريح منشور في صحيفة الأنباء الكويتية، 8 يونيو 2011.
 
باحث في الشئون السياسية.
 
حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر
 



  تعليقات (1)
23 نهج مصطفى بن بولعيد الجزائر العاصمة -
كتب: عصام رواقدة, بتاريخ 09-07-2014 22:24
هذا مقال مسروق وهو في الاصل تقرير للدكتور بن عنتر عبد النور استاذ محاضر بجامعة باريس نشره في مركز الجزيرة للدراسات تحت عنوان "الحلف الأطلسي والدول المغاربية: توازنات جديدة"

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته