Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


السياسة الصهيونية لمنع حق العودة البريد الإلكتروني
كتب أ. شريف شعبان مبروك*   
08/12/2012

Image

"قاوم" خاص - على اعتبار أن حق العودة هو من الحقوق غير القابلة للتصرف، فهو لا يسقط بالتقادم مهما طالت المدة التى حرم فيها الفلسطينيون من العودة، كما لا يمكن التنازل عنه من قبل من يمثل الشعب الفلسطينى أو من يدعي ذلك، إلا إذا وقع كل شخص بملء إرادته على هذا التنازل، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى الالتفاف الشعبي حول الجمعيات المدافعة عن حق العودة، التى ظهرت فى أعقاب اتفاق أوسلو، وهو ما يؤكد أن المحاولات المستمرة للحكومات الصهيونية المتعاقبة من أجل طمس حق العودة من أذهان اللاجئين الفلسطينيين لم تؤت أكلها ...

 

-------------------------

 

نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وتعمقت معاناتهم، منذ ما يزيد على ستين عامًا، وتحديدًا منذ نشوء الدولة اليهودية على أنقاض فلسطين، وبعد تشتت أهلها فى مخيمات اللجوء والشتات. ويمثل اللاجئون والمهجرون الفلسطينيون اليوم حالة التهجير القسري الأكبر حجمًا من حيث العدد، والأطول زمنيًا على مستوى العالم، إذ تجمع أكثر المصادر التاريخية العربية وغيرها أن نكبة عام 1948 أرغمت ما يقارب 800 ألف فلسطيني على الهجرة القسرية خارج مدنهم وقراهم، بعد أن قام اليهود وعصاباتهم العسكرية بتدمير القرى والمدن الفلسطينية، كما تبين المعطيات أن اثنين من بين كل خمسة لاجئين فى العالم هم فلسطينيون.

 

وبغض النظر عن نظام الحماية الدولية لهؤلاء، فإن اللاجئين الفلسطينيين هم مجموع الذين عاشوا فى فلسطين ثم طردوا منها إلى أماكن إقامة أخرى، سواء داخل فلسطين أو خارجها، وهذا فى موجتين رئيسيتين: انطلقت الموجة الأولى بعد قرار الأمم المتحدة بالتقسيم الرقم (181) عام 1947 ونشوب حرب 1948، أما الموجة الثانية فقد حدثت بعد نشوب حرب يونيو 1967، وكان جزء من لاجئي الموجة الثانية من الذين طردوا عام 1948.

 

وبموجب القانون الدولى، فكل فلسطيني طرد أو خرج من موطنه لأى سبب عام 1948، أو في أي وقت بعد ذلك، له الحق فى العودة إلى الديار أو الأرض أو البيت الذى كان يعيش فيه حياة اعتيادية قبل عام 1948، وينطبق هذا الحق على كل فلسطيني، رجلًا كان أو امرأة، وينطبق كذلك على ذرية أي منهما مهما بلغ عددها، وأماكن إقامتها، ومكان ولادتها، وظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 

وتكمن الأهمية القانونية لحق عودة اللاجئين بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بحق تقرير مصير الشعب الفلسطيني كله، وهو ما تدركه "إسرائيل" التي لم تكل في الاستعانة بجميع الوسائل من أجل إسقاط هذا الحق.

 

وفي هذه الدراسة نستعرض أهم الخطوات التى اتبعها الكيان الصهيوني من أجل إسقاط هذا الحق؛ ابتداء بسن تشريعات وفرض واقع على الأرض لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، ثم اقتراح مشاريع للتوطين خارج الكيان الصهيوني بمباركة ورعاية دولية، مع السعي حثيثًا إلى تحويل القضية إلى مجرد حق فى التعويض، وأخيرًا الاشتراط على المفاوض الفلسطيني الاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني.

 

أولاً: الخطوات التشريعية لمنع العودة:

 

فى ظل الاعتراف الواضح للقانون الدولي بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، لجأ الكيان الصهيوني مباشرة بعد إعلانها كدولة إلى توظيف مؤسساتها التشريعية من أجل ترسيخ عملية تهويد الأرض الفلسطينية؛ وفى هذا الإطار أقر الكنيست قوانين كثيرة أهمها قانون العودة وقانون الجنسية وقوانين مصادرة الأراضي.

 

1)         قانون العودة والجنسية:

 

يكتسب كل من قانون العودة وقانون الجنسية أهمية خاصة، لأنهما يشكلان الأرضية القانونية لـ "استيراد" العنصر البشري اليهودي، وتشريع وجوده، وضمان أغلبية يهودية، كما تأتي أهميتهما من كونهما يكتلان بعضهما البعض، ومن تضمنهما تمييزًا واضحًا ضد المواطنين العرب، لاحتوائهما مواد قانونية تسمح بزيادة النسبة العددية لليهود مقابل تناقصها والحد منها عند العرب. ويتضمن قانون العودة تمييزًا صارخًا ضد العرب، كما يشكل مخالفة صريحة للقوانين والمواثيق الدولية التى نصت على حق العودة.

 

وكان قانون العودة الصادر فى 5 يوليو 1950، أداة بيد الكيان الصهيوني لترحيل المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم، وهو يمنح "كل يهودي أينما كان؛ الحق فى الهجرة إلى الكيان الصهيوني، وأن يصبح مواطنًا صهيونيًا". وقد تم لاحقًا توسيع هذا الحق لليهود "ليشمل الأطفال؛ أطفال الزوجة اليهودية، والأطفال الأحفاد لزوجة يهودية". وفى حين يتعامل هذا القانون بسخاء تجاه المهاجرين اليهود من جميع أنحاء العالم، فإنه يميز ضد الفلسطينيين الذين ولدوا فعليًا على أرض فلسطين، ويميز ضد أنسالهم أيضًا، حيث لم يعترف قانون العودة الصهيوني بحق هؤلاء الفلسطينيين فى العودة إلى ديارهم، والسبب ببساطة هو لأنهم ليسوا يهودًا.

 

ويجرد قانون الجنسية الصهيوني الذى أقر فى 1 أبريل 1952 الفلسطينيين من جنسيتهم، ويفرض عليهم شروطًا للحصول على المواطنة، فضلاً عن إمكانية سحبها، بينما يمكن القانون اليهود من التمتع بالمواطنة المزدوجة. وامتدادًا لهذا القانون، فقد قام الكنيست الصهيوني فى 31 يونيو 2003 بسن قانون يحرم الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، والمتزوجين/ والمتزوجات من مواطنين "إسرائيليين/ إسرائيليات"، من العيش فى داخل الكيان الصهيوني. ويمس هذا القانون بآلاف العائلات العربية المكونة من عشرات آلاف الأشخاص. وقد مدد الكنيست الصهيوني مرات كثيرة سريان مفعول هذا القانون، الذى سن فى الأصل كقانون مؤقت لمدة سنة واحدة.

 

2)         قوانين مصادرة الأراضي:

 

قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني، لم يكن يملك اليهود أكثر من 5.5% من مساحة فلسطين، وعلى أكثر تقدير لم تتجاوز المساحات التى امتلكوها 8%، غير أن الصندوق القومي اليهودي (كيرن كيميت ليسرائيل Keren Kayemet Le- Israel) استولى على ما يقرب من 97% من أراضي فلسطين المحتلة سنة 1948، بعد قيام الدولة العبرية، وقد تمكن الكيان الصهيوني من السيطرة على أراضي الفلسطينيين، بمن فيهم فلسطينيو 1948، من خلال قائمة من القوانين التى وظفتها لتنفيذ سياساتها فى هذا المجال. وتقدر هذه القوانين بأكثر من ثلاثين قانونًا تعاضدت كلها وقامت بدور كبير فى مصادرة الأراضي الفلسطينية، غير أن أهمها: "قانون أملاك الغائبين لسنة 1950 الذى شمل حتى أملاك الوقف الإسلامي، وقد تم اعتماده بتاريخ 14 مارس1950، وبحسب المحكمة العليا الصهيونية، فإن القانون يستهدف أساسًا تركيز إدارة الأراضي التى كانت مملوكة ممن وصفوا كغائبين فى نظر القانون، وذلك بوضعها تحت تصرف القيم على أملاك الغائبين ليقوم بحماية هذه الممتلكات. كما يحدد القانون العلاقات القانونية بين هذا القيم و"الغائبين" ليقوم بحماية هذه الممتلكات. كما يحدد القانون العلاقات القانونية بين هذه القيم و"الغائبين" وأملاكهم. وبموجب هذا القانون يعتبر القيم مالكًا لهذه الممتلكات إلى أن يثبت "الغائب" أنه لم يكن غائبًا أو أنه لا يعتبر "غائبًا" بنظر القانون، وهى قضية مستحيلة بموجب السوابق القانونية عدا عن الحالات الشاذة والنادرة جدًا.

 

3)         قانون حظر إحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني:

 

درج الفلسطينيون على إحياء يوم استقلال الكيان الصهيوني الرسمي على أنه الذكرى الوطنية للحداد، وتنظيم نشاطات تذكارية مختلفة. وفى محاولة لقمع الوعي الوطني والسرد التاريخي للبقية المتبقية من الشعب الفلسطيني فى وطنه، فقد أقرت حكومة نتنياهو فى مايو 2009، مشروع قانون حظر إحياء ذكرى النكبة، وسجن 3 سنوات لكل من يخالف ذلك. ثم؛ على إثر ردود الفعل الجماهيرية الرافضة لهذا القانون، تم تعديله وشطب عقوبة السجن مقابل حظر كل مؤسسة تتلقى دعمًا حكوميًا لتمويل فعاليات تحمل أية إشارة إلى النكبة، وأوجبت على وزير التربية والتعليم حذف مصطلح "النكبة" الوارد فى الكتب الدراسية.

 

يبقى أن "قانون النكبة"، إضافة إلى ما يمثله من تدخل فى مشاعر وأفكار الآخرين، فإنه كذلك- مثلما أشارت النائبة العربية فى الكنيست حنين الزعبى- يظهر خوف الدولة من الحقيقة، ومن ذاكرة الفلسطينيين، ذلك أن الخوف الحقيقي من النكبة يكمن فى أنها حقيقة تاريخية، وليست مجرد رواية للفلسطينيين.

 

4)         سن قوانين تمييزية كثيرة ضد المواطنين العرب:

 

ليس من المبالغة إذا قيل إن الكيان الصهيوني يكاد يكون نموذجًا للدولة والمجتمع العنصريين الأكثر تفردًا ووضوحًا فى العالم اليوم. هذه العنصرية تنبع من صميم الفكر الصهيوني- اليهودي، وقد أشارت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ذلك فى قراراها الرقم (3379) المؤرخ فى 10 نوفمبر 1975 "باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية". وما يؤكد ذلك هو أن التمييز العنصري فى الكيان الصهيوني يستند إلى قوانين الدولة ذاتها، حيث يمكن ملاحظة ثلاثة أنواع من التمييز –وشكل خاص ضد الفلسطينيين- من خلال تفحص القوانين والتشريعات والتطبيقات القضائية.

 

‌أ- التمييز الصريح: الحالة التى تميز فيها القوانين صراحة وبوضح بين حقوق أو واجبات اليهود وغير اليهود، أو تعطي بموجبها مكانة خاصة للمنظمات اليهودية- الصهيونية.

 

‌ب- التمييز الخفي: الحالة التى تتبنى فيها الأدوات القانونية معايير تؤدي فعليًا وعمليًا إلى التمييز بين اليهود وغير اليهود –خاصة الفلسطينيين- من دون استعمال المصطلحات الصريحة؛ يهود وغير يهود. هذا الأمر يشمل القوانين التى لا تستعمل ظاهريًا معايير تمييزية، ولكنها سنت بنية واضحة لتطبيقها على العرب فقط.

 

‌ج-   التمييز القضائي المؤسسي: الحالة التى يميز فيها القضاء الصهيوني في أحكامه بين اليهود والعرب.

 

أما أبرز القوانين التى صدرت للتمييز بشكل واضح ضد أبناء شعبنا العربي الفلسطيني، فيمكن ذكر القوانين التالية منها: قانون العودة، قانون الجنسية، قانون الحكم العسكري، أنظمة الطوارئ. قانون أملاك الغائبين. قانون مصادرة الأراضي للصالح العام، قانون فلاحة الأراضي المهجورة، قانون مكافحة الإرهاب.

 

ولم يتوقف إصدار القوانين التمييزية ضد العرب عند هذا الحد، بل على العكس من ذلك، فقد تزايدت وتيرة سنها بشكل رهيب، وبشكل خاص منذ عام 2009 بعد مجيء إحدى أكثر الائتلافات الحكومية يمينيه فى تاريخ الكيان الصهيوني، حيث شهد عام 2011 تقديم وإقرار ما لا يقل عن 35 مشروع قانون عنصري، بحسب تقرير صادر عن الائتلاف لمناهضة العنصرية فى الكيان الصهيوني. ومن ضمن ما تسعى إليه هذه القوانين ومشاريع القوانين، تجريد وإقصاء المواطنين العرب عن الأراضى، وتحويل مواطنتهم من حق إلى امتياز مشروط، وتقويض قدرة المواطنين العرب فى الكيان الصهيوني وممثليهم البرلمانيين على المشاركة فى الحياة السياسية فى الدولة، وتجريم النشاطات والتجليات السياسية التى تتحدى طبيعة الدولة اليهودية أو الصهيونية، ومنح المواطنين اليهود امتيازات خاصة فى توزيع موارد الدولة.

 

ثانياً: السياسات الصهيونية لمنع حق العودة:

 

 من أجل سد منافذ عودة أصحاب الأرض الأصليين إلى أوطانهم، لم تكتف دولة الكيان الصهيوني بسن القوانين، بل لجأت إلى سياسة فرض الأمر الواقع، حيث قامت باتباع عدة خطوات عملية لطرد وتهجير الفلسطينيين. وحتى يأتي الطرد بثماره، فقد قامت بجهود كبيرة من أجل طمس الهوية والانتماء الفلسطينيين.

 

5)         طرد وتهجير الفلسطينيين:

 

يتمثل الغرض الأساسي للحركة الصهيونية بجمع أكبر عدد ممكن من يهود العالم وتركيزهم فى فلسطين من خلال عملية انقلاب ديمغرافى يستبدل بها اليهود بمواطني البلاد العرب. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فقد تنوعت أساليب التشديد التى يطلق عليها الصهيونيون مصطلحًا أخف وطأة، وهو "الترانسفير".

 

أ‌-            الترحيل الهادئ:

 

لم يكن متاحًا للحركة الصهيونية طرد الفلسطينيين من بلادهم دفعة واحدة، لذا فقد قامت الحكومات الصهيونية باتباع طرق عديدة لتقويض قدرة المواطنين الأصليين على البقاء فى المنطقة. من تلك الطرق، وضع قيود كثيرة على البناء، وهو مجسد بشكل خاص فى مدينة القدس، حيث يسمح ببناء عمارة مكونة من طابق أو اثنين فقط فى المناطق الفلسطينية، بينما تصل البناية الواحدة فى الوحدات الصهيونية إلى ثمانية طوابق، كما يتطلب الحصول على رخصة بناء وثائق كثيرة وإجراءات إدارية مطولة ومعقدة، والأكثر من ذلك فهى مكلفة كثيرًا بالنسبة إلى الفلسطينيين- فى تقرير لمؤسسة "بتسليم" الصهيونية قد تصل تكلفتها إلى ما بين 25 و 30 ألف دولار- وهو ما يدفعهم إلى البناء غير المرخص، ويتبع ذلك هدم منازلهم من قبل البلدية ووزارة الداخلية. وهذا الأمر يجعل الكثير من هؤلاء ينتقل إلى العيش خارج حدود المدينة لتلغى، بذلك إقامتهم، ويتم نفيهم نهائيًا من المدينة المقدسة. وهذه السياسة أدت إلى فقدان آلاف المقدسيين إقامتهم فى القدس منذ سنة 1967.

 

 من جهة أخرى، لم يقم الكيان الصهيوني بمنح سكان المناطق المحتلة الجنسية الصهيونية بشكل تلقائي، بل العكس صحيح، فقد فرضت على هؤلاء الفلسطينيين وذرياتهم، الذين تم تسجيلهم فى إحصاء عام 1967، بطاقة الإقامة الدائمة وأعلنت الوزارة "أن الإقامة الدائمة، على عكس المواطنة، هى مسألة رهن بالظروف التى يعيشها الفرد، وعندما تتغير الظروف، يتم سحب تصريح الإقامة".

 

وقد أدت هذه السياسة إلى طرد ما يقارب 240 ألف فلسطيني من غزة والضفة الغربية، بحسب ما كشفته صحيفة هآرتس الصهيونية فى عددها الصادر فى 11 يونيو 2012، وهذا فى الفترة الممتدة بين عامى 1967 و1994. وكان الطرد يتم بمنع عودة الفلسطينيين إلى وطنهم بعد مكوثهم خارج الوطن لمدة تزيد على الثلاث سنوات والنصف. وهذا ما أدى إلى خفض عدد السكان الفلسطينيين بأكثر من 10%، القسم الأكبر منهم من طلبة الجامعات والدراسات العليا وأصحاب المهن الحرة الذين سافروا للعمل خارج الوطن. وهذه السياسة منتهجة فى القدس أيضًا؛ فابتداء من عام 1995 بدأ الكيان الصهيوني، ومن خلال وزارة الداخلية، بسحب المواطنة ممن انتقل إلى السكن خارج الحدود البلدية لمدينة القدس. وكل من لم ينجح بأن يثبت، فى الحاضر وفى الماضي (قبل 7 سنوات)، أنه من سكان القدس، يطلب منه مغادرة بيته إلى الأبد. وفى هذه الحالة يفقد حقه فى السكن والعمل فى الكيان الصهيوني، ويتم سحب الحقوق الاجتماعية منه ومن عائلته. والجدير بالذكر أنه لم يعلن مطلقًا عن هذه السياسة على الملأ، كما لم يتم مطلقًا تحذير الفلسطينيين الذين غادروا القدس من مغبة مغادرتهم المدينة.

 

ب‌-        التوسع الاستيطاني:

 

بعد حرب عام 1967 عمل الكيان الصهيوني على إقامة المستوطنات على الأراضى التى صودرت بعد الحرب، وسنت القوانين والتشريعات المختلفة التي تسهل هذه المهمة، واستمرت هذه السياسة حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو. فإلى غاية العام 2007 أقيمت فى أنحاء الضفة الغربية 121 مستوطنة صهيونية اعترفت بها وزارة الداخلية كبلدات صهيونية، وهذا على الرغم من أن بعضها يضم مساحات لا يوجد بينها تواصل مبني، بل إن هناك 12 مستوطنة إضافية موجودة فى المناطق التى ضمها الكيان الصهيوني فى العام 1967، وضمت إلى بلدية القدس. كما تنتشر فى أنحاء الضفة الغربية حوالى مئة مستوطنة لم يعترف بها بصورة رسمية من قبل السلطات، وتسمى عبر وسائل الإعلام بشكل مضلل "البؤر الاستيطانية".

 

وعلى الرغم من أنه صدرت قرارات دولية كثيرة تنكر أية صفة قانونية للاستيطان، بينها قرار مجلس الأمن الرقم (446) لسنة 1979، وخاصة أنه يناقض ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي الإنساني، إلا أن سياسة الاستيطان تعتبر من أولويات الكيان الصهيوني.

 

ويعتمد التصور الصهيوني بالنسبة إلى الاستيطان على جانبين رئيسيين:

 

- الطرد الفلسطيني: مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها.

- الإحلال الصهيوني: إسكان الصهيونيين فى هذه المستوطنات، وخلق وجود ديمغرافي يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر فى الوجود الفلسطيني الحالي والمستقبلي.

 

وأدت سياسة الاستيطان الصهيونية إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية والقسم الشرقي من القدس العربية، وحاصرت المدن والقرى العربية بالمستعمرات، وحولتها إلى معازل فى ظل حكم عسكري حظيت فيه المستوطنات بمكانة مميزة تمتع فيها المستوطنون بحقوق مواطني الكيان الصهيوني القاطنين داخل الخط الأخضر، وفى بعض الحالات بحقوق إضافية فى ظل الجهود الجمة التى رصدها الكيان الصهيوني فى مشروع الاستيطان من ناحية مادية، وقضائية وبيروقراطية.

 

ج- إقامة الجدار العازل:

 

يمثل الجدار الذى قررت حكومة شارون بناءه فى يونيو 2002 نوعًا جديدًا من أساليب الترانسفير الصهيوني؛ فالجدار الذى يقتطع أكثر من 9 بالمئة من مساحات الضفة، يلتف حول المدن الفلسطينية كالأفعى، ممزقًا عن عمد النسيج الاجتماعى للفلسطينيين، لأنه يعزل أحياء وقرى ومدنًا كثيرة عن بعضها البعض، ويمنع تواصلها الاجتماعى والعائلي كما أنه يصادر أراضي الفلسطينيين الزراعية (تدر النشاطات الزراعية فيها، طبقًا للبنك الدولي، حوالي 8% من مجموع المنتوج الزراعي الفلسطيني) ويصادر مياههم، ويعيق قدرتهم على العمل والتنقل، ويضع الفلسطينيين تحت معاناة قاسية لدفعهم إلى الهجرة والخروج من وطنهم.

 

 لقد ثبت مع تقدم بناء الجدار أن الهدف الأمني ليس سوى واحدًا من أهداف أساسية أخرى يسعى الكيان الصهيوني إلى تحقيقها، أهمها خلق وقائع على الأرض، يصعب، إن لم نقل يستحيل، التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية بخصوص مصير مدينة القدس والكتل الاستيطانية الكبرى والحدود. وبالنسبة إلى مدينة القدس، فقد أبقى جدارها المسمى بـ "غلاف القدس"، المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية خارج غلاف القدس، وقام بعزل المدينة عن الضفة الغربية، وعن القرى المحيطة بها، تمهيدًا لتفريغها من سكانها الأصليين. ويسيطر جيش الاحتلال الصهيوني على المعابر المؤدية إليها، حيث لن يسمح لسكان الضفة بدخول القدس الشرقية سوى بتصاريح من هذا الجيش، تعطى أو تسحب وقتما يشاء. وقد ثبت أن الجدار أجبر الكثير من سكان المناطق المحيطة بالقدس من البدو على الرحيل، كما حصل مع قبيلة "الجهالين" شرق القدس، وعشيرتى "السلامات" و"الحمادين".

 

1)          طمس الهوية والانتماء الإسلامي والفلسطيني والعربي:

 

 لقد أدرك الصهاينة منذ البداية صعوبة صهر كل اليهود الذين جلبوا إلى الأراضي الفلسطينية فى هوية واحدة لن تجد مقوماتها إلا بمحو الهوية التاريخية والوجودية لأصحاب هذه الأرض.

 

أ‌-            تهويد أسماء المعالم الفلسطينية:

 

 منذ تأسيس الكيان الصهيوني قامت المؤسسة الحاكمة بحملة محمومة لتهويد أسماء المعالم الجغرافية الفلسطينية، وأعطتها أسماء عبرية وتوراتية، أو أسماء لزعماء صهاينة، وهذا بطريقة لم يسجل لها التاريخ مثيلا ً بالمعايير الكمية والنوعية، على زعم أن العديد من الأسماء العربية هي تحريف للأسماء العبرية القديمة، وأن ما قاموا به خلال عملية تهويد الأسماء هو بمثابة إعادة الأسماء الأصلية إلى المواقع. أول البداية كانت بتشكيل لجنة خاصة عام 1948 باسم "اللجنة الحكومية للأسماء" مكونة من شخصيات رسمية وأكاديمية. وكانت مهمة اللجنة دراسة أسماء الأماكن والمعالم والمواقع الجغرافية، ووضع بدائل للأسماء العربية. وأخذت اللجنة تنظم قوائم بين حين وآخر تصدرها فى نشرة الوقائع الصهيونية باللغتين العربية والعبرية.

 

كما تقدم الكيان الصهيوني إلى "المؤتمر الدولى لتوحيد المصطلحات الجغرافية" المنعقد فى جنيف 4-22 سبتمبر 1967 بمذكرة تضمنت محاولاتها لإحلال أسماء عبرية محل الأسماء العربية الأصلية للمواقع العربية فى فلسطين، وتعاون الكيان الصهيوني مع الهيئات الدولية ودور نشر الأطالس والكتب الجغرافية فى العديد من المؤسسات المنتشرة فى العالم لتكريس ذلك الإحلال.

 

ب‌-        صهينة التربية والتعليم فى الداخل الفلسطيني:

 

  لقد لخص قانون التعليم الرسمي لعام 1953 العملية التربوية فى جملة واحدة، أصبحت جوهر كل شيء فى جهاز التربية والتعليم، حيث أكد القانون أن الهدف الأساسي للتعليم هو "التربية على قيم الحضارة الصهيونية، وعلى إنجازات العلم، وعلى حب الوطن، والولاء للدولة وللشعب الصهيوني".

 

 إضافة إلى كون نظام التعليم العربي داخل الكيان الصهيوني يخضع للمراقبة والسيطرة التامة من قبل المؤسسة الحاكمة، وعدم إتاحة الفرصة للمربين العرب بالمشاركة فى تحديد السياسة التربوية المتعلقة بتربية طلبتهم، إلا أن الكيان الصهيوني قام بتجاوز الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والدينية للشعب الفلسطيني، وذلك بتفريغ مناهج التعليم من أية إشارة إلى أي رمز يمكنه ربط العربي فى البلاد بتاريخه وتقوية انتمائه الدينى أو الوطني أو القومي. ولهذا فهناك محاولات حثيثة ومدروسة من قبل مؤسسات الكيان الصهيوني "لصهينة جهاز التعليم"، والسعي إلى طمس الهوية الفلسطينية. من بين هذه المحاولات هو قيام حكومة الكيان الصهيوني العام الماضي، ممثلة بوزير التربية والتعليم "ساعر" بتحديها للعرب فى الداخل الفلسطيني من خلال نيتها إحداث تغييرات جوهرية فى المناهج الخاصة بالمدارس العربية (عرب) حيث أعلن "ساعر" أنه سيدخل موضوعًا إلزاميًا جديدًا لطلاب المدارس ما بين الصفين الرابع والتاسع، وهو "تراث اليهودية والصهيونية"، ويتعلم فيه الطلاب عن السبت، والصلوات، والكنيس، والأعياد، والنشيد الوطنى، ووثيقة الاستقلال والعلم، والحنين لصهيون، وقانون العودة، والقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، والهجرة والاستيطان.. الخ.

 

خاتمة:

 

 لقد شكلت قضية الأرض وعودة أصحابها من اللاجئين الفلسطينيين إليها على مدى أكثر من ستين سنة جوهر القضية الفلسطينية. وعلى هذا الأساس، فإن الفكر الصهيونى يعتبر حق العودة خطًا أحمر يهدد وظيفة ووجود المشروع الصهيوني برمته. ولهذا تصر الحكومات الصهيونية المتعاقبة دائمًا على حشر قضية اللاجئين الفلسطينيين فى الزاوية الإنسانية التى لا يتعدى التعامل معها مفهوم لم شمل بعض العائلات، وذلك بهدف إخراج القضية والنقاش من دائرة الاستحقاق السياسي والمسئولية التاريخية.

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على صدور قرار الجمعية العامة الرقم (194) الذى أكدته كل سنة فى قراراتها اللاحقة، إلا أنه لم يطبق، وهو ما يعتبر أكبر إخفاق للأمم المتحدة والمجتمع الدولى ككل. هذا الإخفاق وعدم الرغبة فى الضغط على الكيان الصهيوني أعطى هذه الأخيرة الضوء الأخضر لبذل المزيد من الجهود لإسقاط الحق الفلسطيني فى العودة إلى ديارهم، وكان آخر مخططاتها اشتراط اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولتهم.

 

 ومع ذلك، فإنه على اعتبار أن حق العودة هو من الحقوق غير القابلة للتصرف، فهو لا يسقط بالتقادم مهما طالت المدة التى حرم فيها الفلسطينيون من العودة، كما لا يمكن التنازل عنه من قبل من يمثل الشعب الفلسطينى أو من يدعي ذلك، إلا إذا وقع كل شخص بملء إرادته على هذا التنازل، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى الالتفاف الشعبى حول الجمعيات المدافعة عن حق العودة، التي ظهرت فى أعقاب اتفاق أوسلو، وهو ما يؤكد أن المحاولات المستمرة للحكومات الصهيونية المتعاقبة من أجل طمس حق العودة من أذهان اللاجئين الفلسطينيين لم تؤت أكلها، خاصة فى ظل الارتباط الوثيق لحق العودة بتقرير مصير الشعب الفلسطيني كله؛ وهذا الأخير يعي جيداً أن التنازل عن أى حق من حقوقه قد يعجل بتصفية القضية الفلسطينية برمتها.

 

باحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – مصر.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته