Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


أمريكا وأوروبا.. وقوة الاستيعاب البريد الإلكتروني
كتب د. أسامة عثمان*   
03/06/2013

Image

"قاوم" خاص - انتقدت لجنة حكومية أمريكية دولاً عدة في أوروبا الغربية، من بينها فرنسا، لاعتمادها "علمانية شديدة العدائية" وخاصة بسبب حظر النقاب في الأماكن العامة في فرنسا وبلجيكا، وأكدت أن هذه القيود تحدُّ، بشكل خطير، من الاندماج الاجتماعي، وأشارت اللجنة إلى التصويت على "الرموز الدينية" ومسائل الختان في ألمانيا، وبناء المساجد والمآذن في سويسرا.

 

ومع أن هذا الموقف يمثل مظهرًا من مظاهر القيادة الثقافية القِيمية الأمريكية، على أوروبا، والعالم، ولكنه يعكس أيضًا فرقًا واضحًا بين التعامل الأوروبي، والتعامل الأمريكي، مع المسلمين، بصفة خاصة، والمهاجرين بصفة عامة.

 

وهذا الفرق المتمثل في قدرةٍ أمريكية أكبر على استيعاب أعراق، وأصحاب ديانات وثقافات متعددة، أمرٌ طبيعي، نظرًا إلى طبيعة تشكُّل أمريكا، من مجموعة من الأعراق، وإن كان العنصر الأنجلوسكسوني هو الأكثر تقديرًا، والأعرق دورًا في إنشاء أمريكا، وتشكيل هُويتها الثقافية، القائمة على احترام الحريات، وإن كان هذا الاحترام تدخله السياسة، واعتباراتها الداخلية والخارجية، وتطغى عليه، كلّما اقتضت مصالح أمريكا ذلك.

 

وعلى العموم فإن الفرق بين تعامل الولايات المتحدة الأمريكية وتعامل الدول الأوروبية الكبرى مع المسلمين ملحوظ، فدرجة العنصرية عالية، ونسبة القوانين الأوروبية التي تدل على الضيق بالمسلمين فيها، ومحاولة حصارهم ملحوظة، ولا سيما في دول كفرنسا وألمانيا وبريطانيا، وحتى الدانمارك، وذلك إذا ما قوبلت بأمريكا.

 

وقوانين الهجرة إلى تلك الدول الأوروبية أشدُّ، وأكثر اشتراطًا من أمريكا، والقيود التي تفرضها على المسلمين الذين يحملون جنسيتها أكبر من تلك التي تفرضها واشنطن على المسلمين الأمريكيين بالرغم من أن أمريكا تلقّت ضربة قوية في 11- 9- 2001م في عقر دارها، وفي مركزها التجاري، ومع أنها زادت عقب ذلك من تقييد الحريات الشخصية، وارتفعت نسبة التدخل في خصوصيات الناس، ولكن ذلك، كان في الأغلب، لدوافع أمنية.

 

وقد تعالت الانتقادات لمثل هذه السياسات الأمريكية الداخلية، محذرةً من تحوّل أمريكا إلى دولة بوليسية، وبعد "أحداث بوسطن" الأخيرة خلص محللون أمريكيون إلى أن "الحل السليم في التعامل مع المخططات التي تحاك في الداخل ليس هو أسلوب المراقبة الذي تتبعه الدولة البوليسية، بل تبني سياسات مجتمعية جيدة وفعالة.

 

بالطبع ليس الهدف من هذا الكلام التقليل من بشاعة الصفة الاستعمارية لأمريكا، ولا تحسين صورتها الخارجية، فهي في جوانب أخرى دولية، كالتعامل مع المعاهدات الدولية، والقوانين الدولية، أكثر فظاظة، وتعاليًا، ولكن هذه الزاوية المنظور منها هنا، تكشف عن أثر الفكرة العالمية، والدور العالمي، وآثار ثقة أمريكا بقدرتها، وبما تتمتع به من قوة ناعمة، وزخم اقتصادي، وحيوية وديناميكية، بمعزل عن الهواجس المبالغ بها، وبعيدًا عن إرث عدائي تاريخي، بالمقارنة مع أوروبا.

 

وهذا الملمح المتمثل في قدرة دولة ما على صهر كلِّ يحمل تابعيتها، أو جنسيتها، يتطلب اتصاف تلك الدولة بفكرةً متميزة، وخلاّقة، وهو بعد ذلك، يكسب البلدَ المتمتع به طاقاتٍ جبارةً ومتنوعة، بفضل التنوع البشري، من شعوب مختلفة، ويجعل من ثقافة هذه الدولة ثقافةً عالمية لا يقتصر تأثيرُها على مواطنيها، بل يتعداهم إلى العالم كلِّه.

 

هذا، وتتفاوت الدول الأوروبية في درجة التضييق على المسلمين، من دولة أوروبية إلى أخرى، وتحضر الاعتبارات المادية، أحيانًا، كما فعلت ألمانيا حين بدأت تشجع الهجرة النوعية الضرورية إليها، وتحاول عقد جسور التواصل مع العالم العربي والإسلامي، وفي هذا السياق جاء تأكيد  ألمانيا، على كونها  تستقبل نحو ثلاثة ملايين تركي على أراضيها، على لسان وزيرة العمل فوندا لاين، وأن الحكومة ينبغي لها أن تستقبل المهاجرين من المثقفين من كل العالم. ولا سيما أصحاب التأهيل العالي. على الرغم من المشكلات المعروفة عن ألمانيا في نبذ غير الألمان، والمسلمين والعرب، على نحو خاص.

 

وربما كانت فرنسا الدولة الأوروبية الأكثر استفزازًا من خلال قوانينها المتعلقة بمطالب المسلمين وشعائر دينهم، كالحجاب، وفرض الثقافة والقيم الفرنسية. وكان نيكولاي ساركوزي من آخر الرؤساء الذين ركزوا على ما يسمى بالهُوية الفرنسية؛ لكي يثبت عدم انتماء المسلمين إلى تلك الهوية، ومن ثم انتفاء جدارتهم بالعيش في فرنسا، من خلال دعوتهم إلى "الاندماج الكامل" أو "الافتراق الكامل".

 

وفي بلد كالدانمارك جرى الاستفتاء على بقاء المسلمين أو اقتلاعهم، وفي سويسرا نجح استفتاء في منع بناء المآذن، وصوّت لصالح القرار نسبة عالية من المصوتين.

 

ويمكن ملاحظة مشاكل الاندماج في الدول الأوربية، وإخفاقاتهم المتفاوتة في هذا المجال، مقابل اندماج أكبر في أمريكا، على الرغم من نقطة قوية لصالح أوروبا، وضد أمريكا، وهي الموقف من فلسطين، و"إسرائيل" لكن هذه النقطة فاعلة خارجيًا، وتحافظ أمريكا على خصوصية داخلية.

 

وكذلك تتنامى النزعات اليمينية في تلك الدول الأوروبية، في المقابل لا تزال أمريكا غير متقبّلة لمظاهر يمينية متطرفة، ومن ذلك حرق القس الأمريكي، تيري جونز، للمصحف، إذ قال الرئيس الأمريكي، باراك أوباما: "إن تدنيس أي نص مقدس، بما في ذلك المصحف، هو عمل ينم عن تعصب متطرف وتزمت".

 

وهنا سبب آخر (غير بعيد عن معايير القوة والضعف) وهو المتعلق بنسبة الزيادة في مواليد المسلمين في أوروبا، وتأثير ذلك على طابع أوروبا المسيحي، حيث جاوز عدد المسلمين العشرين مليونًا، ونسبة الولادة مرتفعة عند المسلمين، في مقابل قارة أوربية هرمة مهددة بالتراجع في أعداد مواطنيها، وفي نسبة الشباب فيها.

 

وهنا لا يمكننا أن نغفل تاريخًا طويلاً ومريرًا من الصراع بين الدول الأوربية والأمة الإسلامية، كان أبرزها ما عُرف بالحروب الصليبية.. التي خيضت تحت شعار الصليب، وكانت وصمة عار في جبين أوروبا، ولا يمكن محو آثارها كلية من الذاكرة الأوروبية، ولا من ذاكرة المسلمين، ثم الاستعمار الأوروبي الحديث وجرائمه المدمرة..

 

وقبل أشهر استعاد الجزائريون حديثَ الاستعمار الفرنسي لبلادهم، غداة زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، ووقفت فرنسا مترددة بين كبريائها الكاذب، بأن رفضت الاعتذار، وبين نهمها الاستعماري، وتعلقها بالجزائر لمساعدة اقتصادها غير الغني عنها.

 

وإذا كانت دولة كأمريكا، مع ما تعاني منه من أزمات فكرية وقيمية، وما تئن تحته من أزمات اقتصادية واختلالات كبيرة في التوزيع، تتفوق على دول ضيقة الأفق مثل دول أوروبا، فكيف لو نَعِمَ العالم بقيادة فكرية إنسانية حقًا؟!

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

باحث وكاتب فلسطيني.

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته