Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


أمريكا.. إستراتجية التراجع والمخاطر البريد الإلكتروني
كتب د. أسامة عثمان*   
18/11/2013

Image

"قاوم" خاص - تنطلق هذه الإستراتجية من المدرسة الواقعية التي يغلّبها أوباما، وهي أكثر ملاءمة لأمريكا في هذه الحقبة، ولكن هذا التراجع، لدولة بحجم الولايات المتحدة ودورها العالمي واتساع مصالحها وحلفائها، ولا سيما في هذه المنطقة الحساسة من العالم ليس بالأمر السهل، ولا المضمون النتائج.

 

-------------------------

 

من الواضح أن إدارة أوباما تقدم الاعتبارات الضرورية، في ظل الأعباء الاقتصادية، والأزمة المالية، وبعد تبلور سياسة خارجية أقل تورطًا في الحروب... ومن هذا المنطلق "تدرس إدارة الرئيس باراك أوباما أسسًا جديدة لاستخدامها القوة في المنطقة تركز على حماية الحلفاء وضمان حركة ناقلات النفط ومحاربة تنظيم «القاعدة» ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، فيما يتوقع أن تتركز أولويات الإدارة على عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والملف النووي الإيراني والوساطة في سورية".

 

فواشنطن لا تريد أن تستنزف طاقتها السياسية في مكان واحد، أو تنهمك في نزاعات بالإمكان إبقاؤها تحت السيطرة، أو تركها لحلفائها الإقليميين بتنسيق مباشر معها، أو برعايتها والتدخل لحفظ التوازن بين الفاعلين الإقليميين، كما تفعل، أو تحاول، في العراق، من خلال دولتين كبيرتين هما تركيا وإيران، مع اختلاف كل منهما، حتى التنافس في المنطقة وفي العراق.

 

ووضعت الإدارة الأمريكية إستراتيجية جديدة للشرق الأوسط لفترة السنتين ونصف السنة المتبقية على الولاية الثانية لأوباما. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن المراجعة أُجريت بطلب من الرئيس الأميركي، بما لديه من ثقة كبيرة بسوزان رايس، التي سلمها منصبها مستشارة الأمن القومي للتعاطي بحزم أكبر مع قضايا المنطقة.

 

وكتبت الصحيفة أن المراجعة تتحلى بدرجة عالية من البراغماتية في اعتماد "ثوابت محددة في شرق أوسط متقلب"، ونقلت عن رايس قولها إن "هدف الرئيس أوباما هو تفادي الانزلاق إلى أحداث في الشرق الأوسط تبتلع سياسته الخارجية كما ابتلعت أجندة رؤساء أميركيين سابقين". وزادت رايس "لا يمكن أن نستهلك 24 ساعة يوميًا من الجهد في منطقة واحدة مهما كانت أهميتها، والرئيس رأى أنه من المهم أن نعيد تقويم كيف ننظر إلى الشرق الأوسط وفي شكل يتضمن الكثير من النقد."

 

تنطلق هذه الإستراتجية من المدرسة الواقعية التي يغلّبها أوباما، وهي أكثر ملاءمة لأمريكا في هذه الحقبة، ولكن هذا التراجع، لدولة بحجم الولايات المتحدة ودورها العالمي واتساع مصالحها وحلفائها، ولا سيما في هذه المنطقة الحساسة من العالم ليس بالأمر السهل، ولا المضمون النتائج.

 

فهذه الإدارة تضع على رأس أولوياتها الاعتبارات الأمنية والتهديدات الإستراتجية لمصالحها في المنطقة، ولحلفائها، ومن أهمهم "إسرائيل". وهي لذلك نشطت في تجريد سورية من السلاح الكيماوي، بعد أن لم يعد وضع النظام مستقرًا، ولا مضمونةٌ قدرتُه على ضبط هذا السلاح الشامل، وبجواره "إسرائيل" القلقة...  وعلى مقربة من قصره جماعاتٌ معارضة لا تنقصها الروح الإسلامية أو الجهادية.

 

ولكن الجماعات الجهادية في سورية لا ترى واشنطن أنها مضطرة، في هذه الآونة، إلى التصدي لها بنفسها، بل تترك للأكراد في شمال سورية، ومنهم من يسمون بـ "مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي" ، مثلاً، وللاقتتال مع جماعات في "الجيش الحر" بالإضافة إلى قوات الأسد وشبيحته أمر قتالها واستنزافها...

 

وفي العراق تعمل واشنطن على الاستمرار في محاربة القاعدة من خلال الحكومة العراقية المتعاونة معها ومع طهران، فمنذ وصول رئيس الوزراء نور المالكي واشنطن مؤخرًا، ضاعف  لقاءاته مع السلطة التنفيذية بما في ذلك وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وأعضاء الكونغرس. وقد دعا المالكي الأسرة الدولية الى "حرب عالمية ثالثة" ضد "فيروس" القاعدة.

 

وخصص له أوباما لقاء في البيت الأبيض. واعترف الناطق باسم البيت الابيض جاي كارني  "بزيادة العنف" في العراق، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "تدينه بأشد العبارات". لكنه أكد أن القاعدة ستفشل في محاولاتها "للتسبب بدوامات عمليات انتقام دينية.".

 

كما استعدت الولايات المتحدة لتقديم (مساعدة) للعراق لمكافحة القاعدة "بشكل فعال"، بما في ذلك تقديم معدات عسكرية.

 

التقارب الأمريكي مع إيران:

 

في مقابل هذا؛ تتقارب أمريكا مع إيران التي تبدي بدورها استعدادًا لتفاهمات وحلول وسط، حول ملفها النووي، وتظهر مؤشرات على تغيّر أو انسحاب من شعاراتها القديمة عن "الشيطان الأكبر" وعن إنكار الهولوكوست، ويهنىء رئيس الجمهورية حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف اليهود بالسنة اليهودية الجديدة، ولم يصدر نفي رسمي لهذه التصريحات. وبالذات عن وزير الخاجية الذي أكد أن إيران لم تنكر المحرقة النازية لليهود، بل إن طهران تدين ذبح اليهود على أيدي النازيين...

 

وهذا التملق لـ"إسرائيل" يهدف إلى إزالة العوائق من أمام تحسين العلاقات بواشنطن.. ولا يقتصر تعاون إيران مع أمريكا على حلفائها، بل إنها هي ذاتها تعاونت معها في أوقات أمريكية حرجة وفي خطط إستراتجية، وصرحت بهذا الدور، كما في أفغانستان والعراق.

 

وعلى الرغم من العداء الظاهري بين واشنطن وطهران فإن التزامًا وتعاونًا حدث، ويحدث بينهما، ومن جانب إيران أو حلفائها، كما في سورية من خلال نظام الأسد الذي يحرص على إثبات انصياعه للاشتراطات الدولية، والمسارعة إلى تجديد أوراق اعتماده من خلال تدمير السلاح الكيماوي، مقابل تخويفه من (البديل): القاعدة والجماعات الجهادية، وكذلك تتعاون أمريكا  من خلال حزب الله في لبنان الذي يلتزم بوقف النار مع "إسرائيل" منذ صيف 2006 منفذًا بانضباط القرار 1701

 

ارتخاء القبضة الأمريكية والمخاطر:

 

لكن هذا التموضع الأمريكي الجديد المتسم بالتراجع عن المبادرة والتحول إلى القيادة من الخلف، وتقديم الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية على نحو أكثر سفورًا، قد يثلم هيبة هذه الدولة على الصعيد السياسي، بالإضافة إلى زيادة  تآكل شخصيتها الثقافية أو القِيَمية التي تحرص عليها دائمًا، سواء تقمصت سياسة الهجوم والتفرد، كما أيام المحافظين الجدد، أم  جنحت إلى التعاون والمشاركة والتحالفات كما في عهد أوباما.

 

ومن هذا المنطلق المصلحي المغلَّف بالقيم تبرز الأصوات المعارضة والمنتقدة لهذه السياسة الأوبامية الحذرة والنائية عن القيادة والتصدُّر، إذ الأمور مفتوحة على بعضها، كما يرى السناتور الجمهوري جون مكين الذي انتقد أوباما قائلاً: "ما زلت تقول إن هذه حرب أهلية... هذه لم تعد حربا أهلية. هذا صراع إقليمي" مشيرًا إلى امتداد القتال إلى العراق بينما يكافح الأردن للتعامل مع اللاجئين السوريين وإلى تورط إيران.

 

وقال "إذا كنت تصف هذا بأنه حرب أهلية... فهذا تشويه صارخ للحقائق يجعل الكثيرين منا يشككون مرة أخرى في استراتيجيتك؛ لأنك لا تصف الحقائق القائمة على الأرض."

 

ويدور جدل حول امتلاك الإدارة الحالية إستراتجية حقيقية للتعامل مع القضايا الخارجية، ولا يخفى أنها لو امتلكت إستراتجية فإنها إستراتجية باهتة غير مبادرة ولا شجاعة، ولهذا مخاطر على قدرتها على السيطرة، مستقبلاً... ولكن يبدو أنه "ليس بالإمكان أبدع مما كان" .

 

وهذا المنحى في السياسة الأمريكية الراهنة يعدُّ مظهرًا للتفكير الغربي، بصفة عامة، ذاك التفكير الذي  يتناول الأمور بجزئية وانفصال، خارج سياقها الكلي المترابط، يبدو أن هذا النمط من التفكير يبقى غلابًا.

 

وبوضوح يمكن أن نرى افتقادًا للسيطرة في ليبيا، حيث غدت مكانًا لتصدير السلاح إلى مصر وفيها بؤرة مشتعلة هي شبه جزيرة سيناء على حدود فلسطين المحتلة.. وما يعنيه ذلك من مخاطر جدية على دولة الاحتلال... فضلاً عن ضعف سيطرة القيادات الحاكمة في طرابلس، وما يعنيه ذلك من فقدان السيطرة على قطاع النفط الليبي ..

 

كما تشهد سورية (وعلى مقربة منها لبنان) أوضاعًا متفجرة.. صحيح أن أمريكا تراها منضبطة، لكن هذا الانضباط غير مضمون، ولا سيما إذا اتسع نطاق الحرب.

 

وأما في شرقي العالم الإسلامي حيث باكستان (ولها دور مهم في أفغانستان) فتضعف الثقة بواشنطن، بعد تكرارها انتهاك السيادة الباكستانية من خلال غارات الطائرات دون طيار وعمليات الاغتيال، وآخرها اغتيال زعيم حركة طالبان الباكستانية، حكيم الله محسود، الذي عده المسؤولون الباكستانيون تقويضًا لجهودها في التحاور مع طالبان...

 

قد تعوّل أمريكا على قوتها الطاغية، وعلى تناقضات العالم الإسلامي الداخلية والمنطقة.. ولكن يتبدى لنا فرق واضح بين الأمس واليوم.. بين قدرة أمريكا السابقة ورسمها للأوضاع، وبين الوضع الحالي المتفلِّت.. ولا ندري، على وجه اليقين، إلى أي اتجاه يسير؟ أو متى يصل؟

 

فإذا كانت المنطقة وشعوبها لا تنطوي على فكرة بعمق الفكرة الإسلامية، ولا باتساع نطاق تأثيرها، وإذا كانت الكراهية لأمريكا تزداد من معظم القوى السياسية والثقافية، فإن الاتجاه لا ينبىء بمسرات لأمريكا ولا "إسرائيل" على المدى المتوسط والبعيد.

 

كاتب ، محلل سياسي فلسطيني.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته