Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


الاتفاقيةُ الأمريكيةُ الأمنيةُ في أفغانستانَ: احتلالٌ طويلُ الأَمَد البريد الإلكتروني
كتب د. أسامة عثمان*   
08/12/2013

Image

"قاوم" خاص - وافق المجلسُ الأعلى للقبائل في أفغانستان "لويا جيرغا" على مشروع اتفاقية أمنية مع واشنطن تمكِّنها من إبقاء قواتها لما بعد 2014. مع أن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي كان اشترط "تحقيق السلام في أفغانستان" قبل المصادقة على المشروع. وستحدِّد هذه الاتفاقيةُ الأمنية الثنائية أطر الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان، بعد انسحاب جنود حلف شمال الأطلسي المقدر عديدُهم بـ 75 ألفًا في نهاية 2014.

 

وموقف كرزاي المطالب بتأجيل المصادقة على الاتفاقية الأمنية يثير استياء واشنطن التي أشارت إلى أن هذا الأمر ليس "عمليًا ولا ممكنًا" ولوَّحتْ بسحب كامل القوات الأمريكية من أفغانستان.

 

وهنا اختلاف بين موقف المجلس الأعلى للقبائل: الـ "لويا جيرغا" وموقف كرزاي، إذ وجه المجلس طلبًا للأخير؛ كي يصادق على المشروع بأسرع وقت ممكن، وقبل نهاية عام 2013. وأعلن فضل كريم ايماك، نائب رئيس المجلس الأعلى للقبائل "موافقة أعضاء اللويا جيرغا" على هذه الاتفاقية. وأضاف أن "اللويا جيرغا يطلب من الرئيس المصادقة على الاتفاقية قبل نهاية العام الحالي.

 وهو المطلب الأمريكي لتأمين خطط بقاء قوات أمريكية بعد 2014، ومع هذا فإن الخلاف بين ليوجيرغا وكرزاي ليس على قبول الاتفاقية، ولكن على توقيت توقيعها، وبعض الاشتراطات غير الجوهرية.

 

ومن ضمن تلك المطالب إطلاق سراح المعتقلين الأفغان في غوانتانامو، وهو أمر ممكن، كليًا، أو جزئيًا، وعدم مداهمة القوات الأمريكية لبيوت الأفغان، وهو الذي رد عليه الرئيس الأمريكي بارك أوباما في رسالة رسمية إلى  كرزاي؛ أن الجيش الأمريكي لن يهاجم أي منازل أفغانية إلا في "ظروف استثنائية"، بعد انسحاب معظم القوات الأمريكية بنهاية عام 2014، وذلك في حال تعرُّضِ الأمريكيين للخطر!

 

ويبدو أن أعضاء ليوجيرغا قد تأثروا بأموال أمريكية -كما نوَّه إلى ذلك أحد المراقبين- وما يرجح ذلك؛ تلك التصريحاتُ الأمريكية العلنية التي ربطت بين التوقيع على المعاهدة والمساعدات المالية، إذ قالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين ساكي: "إنَّ تأخير توقيع الاتفاقية لما بعد نهاية العام الحالي لن يكون مقبولا"، واعتبرت أن التأخير سيعطي إشارة إلى أن أفغانستان مستعدة للمخاطرة بالمساعدة المالية والعملية التي تم تقديمها لها.

 

أما كرزاي فبرغم كونه لا يملك فرصة ثانية للترشح، وأن ثمة أزمة ثقة متبادلة بينه وبين واشنطن، كما يقول، إلا أنه عدّل موقفه؛ ليستقر على حضِّ أعضاء ليوجيرغا على الموافقة على المعاهدة، حين قال: "المعاهدة تمنح لنا فرصة الانتقال نحو الاستقرار. إن المعاهدة تتيح لنا مرحلة انتقالية لتحقيق الاستقرار خلال السنوات العشر التي تنتظرنا.".

 

وقال كرزاي إنه استلم رسالة من أوباما، "تطمئنه بأن المعاهدة الأمنية بين البلدين ستخدم المصالح الأفغانية على أفضل وجه."

 

والأرجح أن كرزاي يحاولُ من خلال مواقفه المتأرجحة والمواربة التنصلَ من عبء هذه الجريمة التاريخية، ولا سيما وهو الذي أضحى رمزًا للصنيعة الأمريكية السافرة.

 

ومن مصلحة أمريكا، إبقاء سلطته وسلطة حكومته ضعيفة؛ لتسويغ هذا الاتفاق الضروري لمصالح أمريكا وتحكمها في أفغانستان وجوارها والاستحواذ قدر الإمكان على ثرواتها.

 

فما أهم بنود هذه الاتفاقية الأمنية الطويلة المدى؟ وما أهداف واشنطن الإستراتيجية في أفغانستان وشرق آسيا؟ وأين ذهبت الوعود ببناء البلد، بعد أن دمَّرته الحرب؟ والآمال الأمريكية المزعومة بالتحوُّل الديمقراطي؟

 

لو كان بمقدور واشنطن أنْ تعتمد على الحكومة الأفغانية وقوات الأمن الأفغانية؛ لكان ذلك الأَوْلَى بها، في ظلِّ أزمتها المالية، وفي ضَوْء النفقات الباهظة التي تتكبدها، حيث وصلت التكاليف السنوية للحرب الأفغانية إلى 100 مليار دولار.

 

ولكن  الثقة بكرزاي ضعيفة، حيث تحدَّث السفير الأميركي كارل إيكنبري، عن صعوبة تحقيق نجاح مستمر ضد المسلحين، وعن الفساد المتفشي على أعلى مستويات النظام الأفغاني، ووصف الرئيس حميد كرزاي بأنه غريب الأطوار ويعاني البارانويا وغير جدير بالثقة. واعترف  أوباما أخيرًا بأن طالبان الأفغانية لا يمكن هزيمتُها عسكريًا، وأنَّ السبيل الوحيدة للخروج من ميدان القتال الأفغاني هو حل سياسي تشترك فيه طالبان.

 

كانت نقطة الاعتراض الأبرز فيها على منح حصانة لآلاف من جنود القوات المسلحة الأميركية من المفترض بقاؤهم في تسع قواعد عسكرية لعدة سنوات مقبلة.

 

ولكن النص على إقامة قواعد عسكرية واستبقاء ما يقارب 15 ألف جندي أمريكي مع حكومة أفغانية وقوات أمن ضعيفة؛ يفتح باب التساؤل عن المآرب الحقيقية والأكثر خطورة لهذا التمركز العسكري الأمريكي، المصحوب بهذا الإصرار والجدية والاستعجال في توقيعها. وقد ورد هذا التأكيد على لسان وزير الخارجية جون كيري، ووزير الدفاع تشاك هاجل، ومسؤولين أمريكيين آخرين أصروا على وجوب توقيع الاتفاق نهاية هذا العام.

 

فأمريكا التي ارتخت قبضتُها العالمية، نسبيًا، وبالقياس إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة أصبحت أكثر قلقًا على دورها العالمي، وأكثر تطلعا واهتماما بشرق آسيا وما جاورها.. ولا سيما في ظل حاجتها إلى ما ينقذ اقتصادَها المتأزم، وفي انخراطها في المشكلات والقضايا العالمية؛ ما يصعِّبُ عليها التراجعَ غير المدروس..

 

وفي الجوار من أفغانستان الصين (بالرغم من الحدود المحدودة نسبيًا معها حيث يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وأفغانستان 74 كيلومترا فقط) التي تنشط في أفغانستان التي اكتُشفت فيها مزيد من الثروات المذهلة، وقد أدى الإعلان الذي صدر في يونيو من العام الحالي بأن احتياطي المعادن في أفغانستان يقدّر بتريليون دولار (وهو رقم أعلى بكثير من التقديرات السابقة)، وأنه يتضمن أيضًا جواهر ثمينة وأحدث المصادر التي لم تُستغل بعد من الحديد والنحاس والكوبلت والذهب والمعادن الآخرى المهمة في الصناعة، إلى أنُ تضاعف الصين من جهودها في المنطقة. وعلى وجه التحديد، تعمل الصين على تطوير نظام فعّال من الطرق داخل أفغانستان، ومن أجل ربط أفغانستان بالحدود الغربية الصينية.

 

فالصين القوة الاقتصادية العالمية الكبرى والصاعدة والمتحللة من استخدام ذريعة الإرهاب؛ لا تهتم على رأي أحد الباحثين بالمثالية العنيدة التي تقود التدخل الأمريكي الممتد في أفغانستان، وهي في  الوقت الذي أنفقت فيه الولايات المتحدة مليارات الدولارات متورطة في حرب لا تنتهي، فإن الصين تنفق ملياراتها في تطوير المناجم والفوز بعقود حصرية.

 

ويتحدث المفكرُ الإستراتيجي الأمريكي زبنغيو بريجنسكي في كتابه "لعبة الشطرنج الكبرى" (وهو من مفكري المدرسة الواقعية التي يتأثر بها الرئيسُ الأمريكي باراك أوباما) عن أهمية السيطرة على أوراسيا: "أوروبا وآسيا"، وعن ضرورة منع ظهور تحدٍّ أوراسي  قادر على السيطرة على أوراسيا، وبالتالي تحدي أمريكا.

 

وهو يذكّر بــ "المساعدة الأمريكية المباشرة للمقاومة الوطنية في أفغانستان؛ بغية إغراق الجيش السوفيتي في المستنقع الأفغاني"

 

ويقول منوها بالخطر الصيني: "إن المركز الإثني الكبير والمسيطر جعل من الممكن أن تقوم الصين بعملية تجديد  إمبراطورية دورية، أو عمليات إحياء وتجديد نشطة. وفي هذا المجال كانت الصين مختلفة تمامًا عن الإمبراطوريات الأخرى التي كانت فيها الشعوب الأقل عددًا، وذات الدوافع الأقل إلى الهيمنة.."

 

فالولايات المتحدة تسابق الزمن، وتسلك غير طريق، وتستبقي غير خيار، من أجل أن لا تخرج خاسرة على الصعيد الإستراتيجي من هذه الحرب التي أسهمت في إنهاكها.

 

وهي تحاول تسويقَ هذه الاتفاقيةَ بكل جِدِّية ووسيلة، وتأمل منها أن تكرِّس احتلالها لأفغانستان، بعيدًا عن بناء البلد، وعن التحوُّل الديمقراطي، أو حتى عن شعارها المُشْهَر، وهو محاربة القاعدة.

 

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته