Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


أولمبياد سوتشي.. ألعاب على أشلاء المسلمين البريد الإلكتروني
كتب أ‌. مجدي داود*   
12/02/2014

Image

"قاوم" خاص - كانت هذه حلقة من حلقات تاريخ الشراكسة، الذين عاشوا بعد ذلك مشردين في بقاع العالم المختلفة، يحيون كل عام ذكرى سقوط شركيسيا في يد الروس، ويناضلون بكل ما يستطيعون من أجل العودة إلى بلادهم، رغم أنهم لم يزوروها قط، ولكن النفس الأبية تأبى أن تعيش مهانة مشردة عن بلدها، حتى وإن عاشت أجيال سابقة لها في غير موطنها.

 

-------------------------

 

انطلقت مساء الجمعة 07 فبراير/شباط 2014؛ دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة "سوتشي" في روسيا، وسط مخاوف كثيرة من تعرض الأولمبياد إلى هجمات تفجيرية، مع انطلاق حملات احتجاج وتظاهرات للأقليات الشركسية في العديد من المدن العالمية، أمام السفارات الروسية، تحت عنوان "لا لسوتشي 2014".

 

Imageكما دعا زعيم "إمارة القوقاز الإسلامية" دوكو عمروف أنصاره، يوم الأربعاء الماضي، إلى استخدام "كافة السبل" لمنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من إقامة أولمبياد سوتشي، وقال "نحن كمجاهدين ملتزمون بعدم السماح بحدوث ذلك باستخدام كافة السبل التي يمنحنا إياها الله".

 

لقد أعاد ذلك الأولمبياد للأذهان حملة الإبادة الجماعية والتهجير التي شنها الغزاة الروس ضد المسلمين الشراكسة الذين كانوا يقطنون تلك البلاد، والتي أفضت إلى قتل ما يقارب المليونين من المسلمين الشراكسة، وتهجير نحو 90% من الباقين، في إحدى أشهر حملات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، وأولها.

 

احتلال شركيسيا

 

عاش الشركس في شركيسيا منذ العصور القديمة، وأسسوا العديد من الدول، وحُكموا من قبل الرومان لفترة، وبعدها من قبل الجماعات السكوثية والسرمتية، ثم دخلوا في الإسلام، وحكموا من قبل الجماعات التركية، ومن أهمها الخزر لكونهم محميين من قبل الإمبراطورية العثمانية، ومع ذلك حافظ الشركس على درجة عالية من الحكم الذاتي، بسبب موقع البلاد على ساحل البحر الأسود، والسيطرة على موانئ مهمة مثل أنابا وسوتشي وتوابسي.

 

بدأت روسيا تحلم باحتلال هذه المنطقة المهمة استراتيجيًا قبل الحرب الروسية – الشركسية بزمن طويل، فقد غزا الأمير سفياتوسلاف المنطقة عام 985، لحقه الأمير مستيسلاف عام 1022، في العام 1561 تزوج إيفان الرهيب الأميرة جوشيني لنفس الغاية، حيث بنى التحصينات القوزاقية: تومين، سونجا وأندرييفو هناك، بحلول عام 1579، وبدأ يغري الأمراء القبارديين ذوي الكبرياء بدرجة أساسية بأن سلَّط أحدهم على الآخر، ثم بإغداق "خيرات القيصر" عليهم، وأخذ الرهائن منهم ليضمن ولاءهم، وبإعطاء قلة مختارة منهم مراكز رفيعة في الجيش والإدارة والبلاط الملكي الروسيين!.

 

لكن بعد موت إيفان تراجعت رغبة روسيا في القوقاز لوجود دويلات بين المنطقتين، لكن في القرن الثامن عشر، استعادت روسيا طموحاتها الإمبراطورية في المنطقة، وتوسعت بشكل كبير نحو الجنوب، محاولة الوصول إلى ثروات الشرق الأوسط وبلاد فارس، باستعمال القوقاز كنقطة بين المنطقتين.

 

يوم 26 أغسطس عام 1711، غزا أراكسين، حاكم استراخان، بلاد الشراكسة بجيش روسي قوامه 30,000 جندي، فنهب القرى وخرَّب الأرض بمحاذاة نهر الكوبان، وقتل 43,247 شركسيًا، وكانت هذه مقدمة لحرب الاكتساح الرهيبة التي تنوي روسيا الشروع بها، ولأنها كانت تعلم أن احتلال بلاد الشراكسة الأشداء لن يكون سهلاً؛ لأنهم من أقدم شعوب العالم وهم يعتبرون كرامتهم وحريتهم أنفس من الحياة نفسها، قررت روسيا أن تحتل قباردا – القسم الشرقي من بلاد الشراكسة- أولاً، ثم الأديغيه –بلاد الشراكسة الغربية- بعد ذلك.

 

حفزت هذه الأحداث اعتراضات قوية من الأمراء القبارديين، لكن روسيا التي كانت قد كسبت دعم بعض الأمراء القبارديين إلى صفها، واستخدمت هذا الاعتراض كذريعة، وبدأ التوغل الروسي العسكري في شركيسيا في 1763، وقامت روسيا باحتلال شركيسيا.

 

في القرن التاسع عشر بلغ القتال ذروته، بين الشركس الأبخاز والوبخ والأباظة والنوغيين وأحيانًا الإنغوش وبعض القبائل التركية من جهة، والروس من جهة أخرى، وساهم كل من العثمانيين ولندن في مساعدة الشركس بتسليحهم، وقد غطت على هذه الحرب في أواخر مراحلها حرب القرم على الرغم من قيام حرب مشابهة في الجهة الأخرى من القوقاز (الشيشان، داغستان وإنغوشيا يقاتلون للحفاظ على دولهم من الاحتلال الروسي)، ومحاولة بعض أمراء الشركس والإمام شامل وبريطانيا الربط بين الصراعين، وقُمعت الاتصالات بين الشركس وحلفائهم في شرق القوقاز من قبل حلف أوسيتي روسي، واستطاعت روسيا في النهاية إضعاف الشركس بإسقاط قبائلهم واحدة تلو الأخرى، حيث قبلت بعض القبائل الحكم الروسي بعد احتلالهم من قبلها، فيما تابع آخرون القتال رغم استسلام شركيسيا بشكل عام، في 21 مايو 1864.

 

إبادة الشراكسة

 

بدأت روسيا بتطبيق الإبادة الجماعية على الأمة الشركسية في خط متوازٍ مع مسيرة الحرب، حيث استشهد من الشراكسة خلالها ما يزيد عن مليوني شهيد، ولم يكتف الروس بجريمة الإبادة العرقية التي ارتكبها طيلة هذه السنوات، بل إنه زاد على ذلك إجباره لهذه الشعوب على ترك أوطانها وهجرها وإخلائها للشعوب الموالية كالقوزاق والروس والجورجيين والأوكرانيين وغيرهم، حيث تعرّض حوالي مليوني شخص للتهجير القسري إلى أنحاء مختلفة من الإمبراطورية العثمانية بتواطؤ وتعاون وترحيب من العثمانيين بهذا التهجير لأغراض الاستفادة من هذه الشعوب الشركسية الشجاعة المقاتلة في تقوية قواتها المسلحة التي شاخت وضعفت وتعرضت لهزائم متوالية في مختلف الجبهات.

 

ومما تذكره كتب التاريخ عن هذه الإبادة، قيام القوات الروسية في عام 1804 بنهب وتشتيت كل قباردا، ثم قيام الجنرال بولغاكوف بقيادة حملات نهب روسية كبيرة وإحراق 200 قرية قباردية وبلقارية، كما جردت روسيا الأمراء القبارديين عام 1822 من حقهم في حكم بلدهم وأخضعتهم مع كل بلدهم، إلى قيادة قوات الاحتلال الروسية المسلحة.

 

هذه حملة واحدة من حملاتهم، قبل انتهاء الحرب ولا يزال السلاح بيد الشراكسة، فكيف الحال بعدما وضعوا السلاح ولحقتهم الهزيمة!!.

 

يقول آي درودزوف "مع نهاية شباط، انطلقت قوة بشيخسكي نحو نهر مارتا للإشراف على طرد الجبليين، وعند الضرورة إخراجهم بالقوة، كان هناك مشهد مذهل: جثث مبعثرة للأطفال والنساء والعجائز، مقطعة إلى أشلاء، نصف مأكولة من قبل الكلاب، مهجَّرون هدَّهم الجوع والأمراض، بالكاد يرفعون أرجلهم لشدة الضعف، يسقطون على الأرض جراء الإرهاق، ليصبحوا فريسة للكلاب الجائعة، وهم ما زالوا أحياء".

 

وكتب أحد القادة العسكريين من ذوي الرتب الرفيعة، مختزلاً هذه الإبادة الجماعية "في هذه السنة 1864، تم تأسيس حقيقة، ليس لها ما يوازيها في التاريخ: شعب جبلي ضخم، كان يملك ثروة هائلة فيما مضى.. اختفى فجأة من هذه الأرض، لم يبق جبلي واحد في مكان سكناه السابق، الجميع يحاولون تطهير الإقليم من أجل إعطائه إلى سكان روس جدد ..".

 

كما كتب ادموند بيلز في بريطانيا عن الإبادة الجماعية التي اقترفتها روسيا ضد الشراكسة عند نهاية تلك الحرب "إنه حادث حزين ومفجع حقًا، أن جنسًا من الرجال الأحرار والمقاتلين الذين حافظوا على حرياتهم غير مدنسة عبر قرون عديدة، بينما قامت سلالة بعد الأخرى حولهم، ازدهرت ثم ذبلت، والذين يعود وجودهم الوطني الى فترة سابقة على السجلات التاريخية، الذين وجدوا قبل أن يوجد الإغريق والرومان، الذين كانت بلادهم موئلاً للجمال والفروسية والشهامة والرومانسية، والتي خلدتها قصائد فحول الشعراء القدامى، وخلدوها في الأساطير التي لا تموت، جنس من الرجال الأحرار والمقاتلين الذين لم يتمكن حتى الإسكندر من إخضاعهم، والذين لم يفرد النسر الإمبراطوري لروما جناحيه فوق قلاعها الصخرية أبدًا.. إنه لمن المحزن والباعث على الصدمة التفكير في أن مثل هذا الجنس يجب أن يطوية النيسان ويزال عن الوجود!".

 

ويؤكد المؤرخ والتر ريشموند في كتابه "الإبادة الجماعية للشركس" الصادر في 2013 أن سوتشي كانت موقع أول إبادة جماعية شهدتها أوروبا في تاريخها الحديث.

 

كانت هذه حلقة من حلقات تاريخ الشراكسة، الذين عاشوا بعد ذلك مشردين في بقاع العالم المختلفة، يحيون كل عام ذكرى سقوط شركيسيا في يد الروس، ويناضلون بكل ما يستطيعون من أجل العودة إلى بلادهم، رغم أنهم لم يزوروها قط، ولكن النفس الأبية تأبى أن تعيش مهانة مشردة عن بلدها، حتى وإن عاشت أجيال سابقة لها في غير موطنها.

 

• كاتب مصري.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته