Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


انقلاب السيسي والقضية الفلسطينية البريد الإلكتروني
كتب د. رمضان عمر*   
13/03/2014

Image

"قاوم" خاص - منذ انقلابه السافر على الشرعية المنتحبة في مصر؛ يصر عبد الفتاح السيسي على فتح جبهات داخلية وإقليمية لا يمكن توصيفها إلا عبر استحضار ذلك الانحراف الخطير الذي واكب القضية الفلسطينية منذ أن وقعت فريسة للاحتلال، لنكتشف أن هدم الخلافة كان تمهيدًا لبناء نظم عميلة تقوم بدور السمسار العميل المؤمن للاحتلال ومشاريعه التهويدية.

 

فالناظر لحال وطبيعة هذه النظم ومواقفها المتكررة؛ يدرك أنها قد بنيت بناء يقترب من وظائف الاحتلال والاستعمار، وإلا كيف يمكن لرئيس أن يهيِّج السيسي نصف شعبه ويستدعيه ليفني النصف الآخر!؟ ويسارع إلى اتهام خصمه - باعتباره كيانًا معاديًا لا ندًا منافسًا- إلا أن يكون مشروعًا دخيلاً على الأمة، وأداة عابثة جيء بها للتفتيت والهدم.

 

وليس هذا منطق السيسي فحسب، بل نستطيع أن نقول أنه لا يمكن أن يشذ أي حاكم عن هذه القاعدة؛ فرئيس يحرق بلده ويدمرها لقيام أطفال في درعا بمظاهرة سلمية أبسط من أن تواجه برد، وآخر يحرق الأخضر واليابس في بلده؛ لأن خصمه فاز في انتخابات شهد لها العالم كله وثالث... ورابع... وخامس...  و.......

 

والعجيب أن هذه النظم -التي مارست أسوأ حالات الدكتاتورية- ما تفتأ تتذرع بمنهجها الديمقراطي، وخلفيتها العلمانية، زاعمة أنها تعيش حالة من التحرر والتعددية والمدنية؛ مع أن نظامها كله نظام أمني شمولي عسكري.

 

لقد زعمت العلمانية غير مرة أنها ضد العسكرة والأخونة والشمولية؛ غير أن العلمانية الغبية التي غردت بالنصر السخيف الذي توَّجه السيسي بحرق جثث النساء والأطفال -في رابعة والنهضة- لم يعد لها حضور في مشهد من مشاهد التغيير المتسارع في طبيعة الجغرافيا السياسية المفروضة على الشعب بالمجنزرات العسكرية.

 

ومن هنا، فالنتيجة المنطقية لكل تحليل معمق لتوصيف هذه الأنظمة أنها لا تمت لشعوبها بصلة، ولا تحمل لأمتها أي برنامج نفع أو إصلاح، فتاريخها يؤكد أنها صنيعة الاستعمار، وأن دورها محصور بتأمين الاحتلال في المنطقة، وترسيخ أركانه، ومنع شعوب المنطقة من استرداد حقوقها المسلوبة أو تحرير أرضها المنكوبة، فالشعوب-في عرفها- رهينة لها، لا يحق لها أن تطالب بحق ولا أن تسعى لحرية.

 

النظام العربي والقضية الفلسطينية:

 

القضية الفلسطينية هي أوضح مثال لكشف تلك الأنظمة، وحل لغز ذلك التخلف العجيب الذي يلفع هذه المنظومة الغريبة، التي تحكم مساحات شاسعة وحساسة من الخريطة الكونية. فحروب هذه الأنظمة وسياستها تدلل على أنها وجدت لأهداف تتعارض مع تطلعات شعوبها، وإلا كيف تدخل هذه الأنظمة حربًا مصيرية عام 1948 تحت قيادة بريطانية كما كشفت التقارير السرية لتحارب دولة زرعتها (بريطانيا)، مما جعل هذه الجيوش تنشغل بسحب السلاح من الفلسطينيين المتطوعين، في أغلب الأحيان، وتمهد لتمكين المحتل من استلاب الأرض، وفرض الأمر الواقع عليها كما أرادت بريطانيا، وأما القتال فكان مقتصرًا على بعض الوحدات التي لم تلتزم بأوامر تلك الجيوش.

 

وحينما تطوع الإمام الشهيد حسن البنا بدماء عشرة آلاف من خيرة شباب حركته -كدفعة أولى- بدأت الحكومة المصرية بملاحقته، وتم اغتياله واعتقال أو تصفية كل من شارك في المعارك ضد الصهاينة المحتلين.

 

ولم يقف الحال عند هذا الحد، بل تم حل جماعة الإخوان المسلمين، ثم قام النظام العربي بتوقيع هدنة مع المحتل، وحينما قررت الهيئة العربية العليا إنشاء حكومة فلسطينية لملء الفراغ الناتج عن انسحاب بريطانيا من فلسطين، وأعلنت عنها بقيادة أحمد حلمي عبد الباقي، ضغطت عليها مصر وأجبرت الحاج أمين الحسيني أن ينتقل إلى مصر، ثم قامت بنقل كافة أعضاء الهيئة لتكون تحت عين المخابرات المصرية، ولم تعترف مصر بالجوازات الفلسطينية الصادرة عن غزة. ثم تم حل هذه الهيئة تمامًا، وتم إنهاء قوات الجهاد المقدس، ثم عينت مصر حاكمًا إداريًا على غزة.

 

كل هذا حتى لا تستعيد القضية الفلسطينية أنفاسها، وتبدأ في مقاومة حقيقية مؤثرة تكنس المحتل؛ فالتقديرات -آنذاك- كانت تقول: أن مقاومة بسيطة مدعومة من مصر كانت كفيلة أن  تنهي المأساة؛ فالصهاينة كانوا في وضع لا يحسدون عليه، لكن مصر لعبت -آنذاك- دورًا حاسمًا في توطيد أركان المحتل.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة:

 

في غزة شعب اختار قيادته، وقضية اجتمعت عليها الأمة وبرنامج أثبت جدارته وأرق المحتل، وغدا النصر قاب قوسين أو أدنى، وغزة -وحدها- استطاعت أن تصنع سلاحها البسيط، وتغزو عدوها العنيد، وتجبره على شروطها، وتحافظ على مستوى من الحياة المستقلة التي لا تعتمد على الوصاية، رغم الحصار والحرب، مما يجعلها أنموذجًا محرجًا لأنظمة مهترئة، ومن هنا؛ كان ذلك الحشد الطاغوتي الدولي لشيطنة غزة وعزلها ومعاقبتها؛ لا لشيء إلا  ليبقى المحتل هانئًا آمنًا.

 

وقد هيئ لغزة ما افتقدته عام 48، حين انتخب الشعب بإرادته حكومة لها برنامجها المناهض للاستعمار، ولو قدر لها أن تستمر ونجحت في حكم مصر لكان أمر إنهاء الاحتلال محتومًا وسريعًا؛ ومن هنا، كان الانقلاب، وكان تجيش العالم العميل "النظم المصنوعة على عين المحتل" لإجهاض هذه التجربة وإخمادها. تلاحقت التصريحات والقرارات والنشاطات المشبوهة تارة من الإمارات وأخرى من الكويت وثالثة من السعودية كلها تصب في خانة واحدة "منع ميلاد حاضن للمقاومة" يمكنها من استرداد قوتها والسير نحو النصر، هذه هي المعادلة الأبسط والأعمق لكل ما يجري؛ ممنوع على عالمنا أن يصنع غذاءه ودواءه ودستوره وسلاحه، لأنه إن فعل ذلك انتهت دولة الاحتلال؛ فلا بد أن يبقى الشعب عبدًا للبيادة حتى تبقى "إسرائيل" مستقرة وآمنة.

 

ولو نظرنا إلى خريطة المحور الجديد الذي ظهر مؤخرًا إثر انقلاب  السيسي وعصابته؛ لأمكننا من تفسير كثير من النقاط التي توازن معادلة الوعي، وتضبط بلبلات التشويش؛ فإذا اعتبرنا "إسرائيل" و(أمريكا) رأسا الحربة في هذا المحور؛ فان الأفلاك التي تدور في فلك هذا المحور ليست سوى أدوات لتنفيذ مشروع حماية "إسرائيل"؛ فالإمارات والأردن ومصر والكويت والبحرين ليس لها عدو سوى غزة والمقاومة، والانقلاب المصري لم يوجِه حرابه - منذ اللحظة الأولى- إلا لغزة والمقاومة، وإن كان الإخوان ذريعة لهذا التوجيه.

 

أما السلطة الوطنية فهي لا ترقص إلا على حبل الفتنة، ولا تقوم إلا بدور الحاقد اللعين الذي لا يتمنى لفلسطين إلا أن تغور في دهاليز الخيانة والفساد، وأنشطتها المشبوهة أوضح من أن نستعرضها؛ فهي معروفة لدى كل متابع.   

 

لقد ضللت الشعوب كثيرًا، وقد آن لها أن تدرك أن سعادتها تكمن في التخلص من هذه النظم؛ لأن بقاء هذه النظم كفيل باستنساخ أنموذج الأندلس المفقود؛ حين تحول ملوك الطوائف إلى أدوات هدم للأمة، فلما تمكن عدوهم منهم جعلهم أثرًا بعد عين، والناظر لحال الأمة اليوم وما تقوم به هذه الأنظمة من تمكين أعداء الله من رقاب الشعوب يدرك أن الأمر أخطر مما يتوقع الكثيرون.

 

على الشعوب أن  تدرك أن الحرب الإعلامية والاقتصادية والأمنية التي تمارسها النظم العربية على حماس ليست أمرًا عابرًا وهامشيًا، بل إن في هذه الحرب دلائل كافة الأسرار المخبأة حول: كيف ولماذا ومتى  جاء وتمكن وانتصر العدو علينا.

 

فإذا أرادت الشعوب أن تعيش كما تعيش شعوب العالم الآخر، أو أن تسترد حقوقها وأرضها المغتصبة بالسرعة التي تتمناها، فليس أمامها إلا أن تسقط هذه الأنظمة وتمكن الشرعية من الحكم، فالعواصم العربية هي بوابات التحرير الحقيقية لفلسطين، لكنها مغلقة بفعل الاستبداد والطغيان الذي يقوم به النظام العربي الدخيل  المزروع عنوة في كبد الأمة. 

 

أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم بتركيا.

 

"حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر"

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته