Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


الثورات العربية ونهاية التاريخ البريد الإلكتروني
كتب أ‌. محمد فتحي النادي*   
22/07/2014

Image

"قاوم" خاص - ... أزعجت الثورات العربية أمريكا؛ فهي ثورات وطنية بامتياز، وقد فشلت المخابرات الأمريكية في التنبؤ بها، فمن أجل مصالحها تدوس أمريكا على حقوق الإنسان، فتدعم كبت الحريات والقمع والتخلف الاقتصادي والسياسي من قِبل الأنظمة التابعة لها. ونسيت أمريكا أن الشعوب الحية تواقة للحرية والكرامة، وأن الضغط يولّد الانفجار، فكان بركان الثورات العربية.

 

-------------------------

 

خرجت بريطانيا (القوة العظمى عالميًّا) من الحرب العالمية الثانية منتصرة، لكنها كانت منهكة، ولم تحافظ على سيطرتها على العالم؛ حيث بدأت مستعمراتها في الانتفاض ضد الاحتلال، ولم يمض عقد من الزمان إلا وقد نالت معظم المستعمرات البريطانية استقلالها.

 

وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية في ملء هذا الفراغ تدريجيًّا؛ حيث حدث صراع بينها وبين الاتحاد السوفيتي فيما سمي بالحرب الباردة.

 

ولكن لم يكد ينتهِ القرن العشرون حتى تربعت أمريكا على عرش العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

وقد أطلق عليها سعد سلوم "الأمة السوبرمانية"، تلك الأمة التي ترى أنها باتت "تحدد نظام القيم الذي ينبغي أن تستجيب له البشرية"(1)، هذه الأمة التي قد أصابها الغرور وغطرسة القوة، مما استدعاه لأن يتساءل: "هل بات العقل السياسي الأمريكي يحصّن حضارته من عوارض التفسخ والانهيار، ويؤمن بأنه أمسك سرّ البقاء والدوام، ويأخذ يتحكم بالتاريخ؟"(2).

 

ولكن التاريخ الذي ظنّ الأمريكان أنهم يتحكمون به تتدخل فيه عناصر أخرى فاعلة في صياغته، مما يحدث صراعًا بين هذه العناصر.

 

ومن هنا كانت رؤية هنتنجتون لصراع الحضارات، والتي كانت رؤية مؤمنة بنموذج واحد، هو النموذج الأمريكي، والذي يجب أن تكون له الغلبة والهيمنة، "فهو يذكر أنه اكتشف أثناء مقابلة له مع رئيس جمهورية المكسيك، أن هذا الأخير يودّ أن يحوِّل بلده من بلد أمريكي لاتيني إلى بلد أمريكي شمالي (أي: يحاول أن يجعلها تلحق بركب الحضارة الغربية والطبيعية!)، ولا يملك هنتنجتون إلا أن يُعبِّر عن إعجابه العميق بعملية التطبيع هذه، التي ستجعل المكسيك متسقة مع قوانين الطبيعة وأمريكا الشمالية، وتقوِّم انحرافها عن الصراط المستقيم"(3).

 

فهنتنجتون لا يختلف عن فوكوياما في نظريته "نهاية التاريخ" من تمجيد لأمريكا، ونظرتهما المحورية لها في التاريخ والحضارة، إلا أن "فوكوياما زادت حرارته المشيحانية فتَعجَّل وأعلن أننا قد «وصلنا» و«عدنا»، ولذا فهو يُعلن نهاية الآخر وانتصار الذات ونهاية التاريخ وبداية الفردوس الأرضي، أما هنتنجتون فهو أقل تفاؤلاً؛ فهو يرى أن الطريق إلى النهاية الفردوسية الطبيعية في لحظة الوصول ليست بهذه البساطة"(4).

 

ولتحافظ أمريكا على سيطرتها وقوتها حاولت أن تروض العالم، وأن تجعله يسير خلفها، والساسة الذين يخرجون عن نهجها، ويحاولون أن يستقلوا بقراراتهم عنها، كانت تقف لهم بالمرصاد، والأبواب كلها مفتوحة في طرق التعامل الأخلاقية منها وغير الأخلاقية، وقد لعبت المخابرات الأمريكية هذا الدور باقتدار.

 

فأمريكا هي التي تكفلت بالإطاحة بحكومة محمد مصدق [1882-1967م] الديمقراطية والمعادية للغرب في إيران، هذا الرجل الذي قاد حملة لتأميم حقول النفط في بلده، وسيطر على القوات المسلحة، وهي في الوقت نفسه التي دفعت الشاه جراء ضغوطها المستمرة ليقوم بإطلاق مشروع التغريب الذي كان من أسباب انطلاق الثورة الإسلامية.

 

وعندما قامت الثورة الإيرانية واجتاح الخميني وأتباعه البلاد في 1979م اجتمع مستشار الأمن القومي الأمريكي بملك عربي لمناقشة خطط مفصلة يرعى من خلالها الرئيس العراقي صدام حسين انقلابًا في إيران ضد الخميني، لكنهم فشلوا، فأشعلوا نار الحرب بين العراق وإيران ثماني سنوات ليخسر الطرفان (5).

 

وفي تشيلي بأمريكا اللاتينية رعت الجنرال بينوشيه [1915م - 2006م] الحاكم الديكتاتوري الذي انقلب على الرئيس التشيلي المُنتخب سلفادور ألليندي وقتله، هذا الرئيس الذي كان مؤمنًا بالاشتراكية، ومعاديًا للرأسمالية، وقد قام بسياسات لم تعجب الولايات المتحدة واعتبرته خطرًا كبيرًا يهدد مصالحها، فأوعزت للجنرال أوغستو بينوشيه قائد الجيش بالاستيلاء على السلطة في 11 سبتمبر عام 1973م، واستمر حاكمًا سبعة وعشرين عامًا كان فيها العدو الأول لكل مفكري وكتاب أمريكا اللاتينية، وشكل أسوأ وجوه الديكتاتورية التابعة لأمريكا في العالم، إلى أن خلعه الشعب التشيلي(6).

 

وفعلت نفس الأمر ضد هوجو شافيز في فنزويلا لكنها لم تنجح.

 

والذي دفع أمريكا لعدم التدخل المباشر في الدول أنها أخذت درسًا قاسيًا من حرب فيتنام (1956-1975م)، فقد "اكتشف العالم الغربي والنظام العالمي القديم أن المواجهة المباشرة مع العالم الثالث وقوى المقاومة والجهاد أصبحت شبه مستحيلة، ولذا لا بد من اللجوء للإغواء بدلاً من المواجهة، فجدة النظام العالمي تكمن في الآليات وليس في الأهداف"(7).

 

ولكن أمريكا نسيت درس فيتنام وعاودت التدخل المباشر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ لأن قوتها غرتها، إلى جانب أنها أصبحت القطب الأعظم في العالم.

 

ولكن التدخل المباشر في هذه المرة كان في العالم الإسلامي؛ حيث احتلال أفغانستان والعراق، فأمريكا كانت حاضرة في العالم الإسلامي عبر عملائها ووكلائها، ولكن سياسة المحافظين الجدد كانت صدامية إلى حدّ كبير، فصنعت الحروب واحتلت البلدان.

 

"ويرى تشومسكي أن الولايات المتحدة -في الوقت الحاضر- تعتبر الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكية، حكرًا عليها، ومحظورًا على الدول الأخرى -بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة- التدخل فيها، وهذا سرّ عداء الولايات المتحدة للحركات الإسلامية، فهذه الحركات قد أصبحت أصدق تعبير عن الحركة الوطنية المستقلة، والوطنية (الاقتصادية) في العالم الثالث، وهي لا تزال تتصدى للولايات المتحدة وعملائها"(8).

 

لذلك أزعجت الثورات العربية أمريكا؛ فهي ثورات وطنية بامتياز، وقد فشلت المخابرات الأمريكية في التنبؤ بها، فمن أجل مصالحها تدوس أمريكا على حقوق الإنسان، فتدعم كبت الحريات والقمع والتخلف الاقتصادي والسياسي من قِبل الأنظمة التابعة لها.

 

ونسيت أمريكا أن الشعوب الحية تواقة للحرية والكرامة، وأن الضغط يولّد الانفجار، فكان بركان الثورات العربية.

 

لكن أمريكا أظهرت احترامها لاختيارات الشعوب الثائرة، ثم لعبت في الخفاء من أجل إجهاض هذه الثورات.

وأصبحت الحرب المعلنة والمخفية بين أمريكا والشعوب الثائرة جولات؛ جولة للشعوب وجولة لأمريكا.

 

وأمريكا تعلم أن فشلها في احتواء الثورات العربية هو عنوان نهاية سطوتها في المنطقة، فعادت في استخدام أساليبها القديمة بالمساعدة في الانقلاب على الحكومات المنتخبة، وغض الطرف عن الانتهاكات لحقوق الإنسان، والقتل والترويع وما شابه.

 

وسيذكر التاريخ أن أوباما الذي جاء إلى جامعة القاهرة معلنًا السلام مع العالم الإسلامي من القاهرة هو الذي أسقط أول نظام ديمقراطي منتخب في مصر.

 

وإن نجاح الثورات العربية سيكون إيذانًا بسقوط نظرية "نهاية التاريخ"؛ لأن الحكومات الوطنية لن تدور في فلك المصالح الأمريكية والصهيونية، وسوف تعمل لمصلحة أمنها القومي، وليس في حراسة مصالح الغرب وإسرائيل.

 

ومحاولة إسقاط الثورات العربية داخل تحت ما يسمى بـ "صدام الحضارات"؛ فالوطنيون سوف يعلون من قيمهم وتراثهم، وسوف يظهرون الوجه الحقيقي للحضارة العربية والإسلامية.

 

على العكس من التغريبيين الذين ييممون وجوههم قِبل الغرب وأمريكا، ويعادون شعوبهم وثقافاتهم وعاداتهم، فهؤلاء هم ذراع أمريكا الضاربة، وهم الذين يمهدون الأرض لتظل أمريكا هي الحاكم الفعلي لبلادهم.

 

إنه صراع إثبات الذات والعودة إلى الهوية من ناحية الشعوب...

 

وصراع الإبقاء على الهيمنة والسيطرة من ناحية أمريكا....

 

ويقيني الذي لا يخالطه شك أن الشعوب باقية، وأن العودة إلى الذات هو المصير المحتوم، وأن أمريكا كمن سبقها من الأمم المستعمرة مصيرها إلى زوال، وأن الشعوب الأبية سوف تكتب تاريخها بيدها.

 

الهوامش:

 

(1) سعد سلوم: العقل الأمريكي (تخييل القوة)، مجلة النبأ، العدد (77)، ربيع الثاني/ حزيران، 2004 م ... شبكة النبأ المعلوماتية.

(2) السابق.

(3) عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (2/268).

(4) السابق، (2/270) باختصار.

(5) انظر: الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

(6) انظر: السابق.

(7) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، (2/162).

(8) السابق، (8/220).

 

 

باحث في الفكر الإسلامي

 

حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته