Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


في حقيقة المشروع الإيراني البريد الإلكتروني
كتب أ‌. ساري عرابي*   
30/03/2015

Image

"قاوم" خاص - هنا، وبالعودة إلى جذور الأشياء، لا بد من القول بأن التشيع الإمامي الاثني عشري هو مقولة شقاقية وافتراقية في الأمة، تقوم على إعادة صياغة أحداث الصدر الأول التاريخية في بنية مذهبية واعتقادية شقاقية ثابتة، وتنطوي على مرتكزات انعزالية وإقصائية، إلا أن هذه العناصر الافتراقية الكامنة في بنية التشيع الإمامي الاثني عشري، ما كانت لتظهر لولا نظرية ولاية الفقيه ووجود دولة قاعدة إقليمية قادرة على حمل المشروع وتوظيف الجماعات الشيعية في المنطقة العربية ...

 

-------------------------

 

كان واضحًا، ومنذ البداية، بالنسبة للبعض؛ بأن المشروع الإيراني في منطقتنا العربية هو مشروع خاص بإيران، ويتعارض حتمًا مع مفهوم الأمة ومصالحها، ويتناقض مع الكثير من مفردات الخطاب الإيراني الثوري ذات الطابع المبدئي والرسالي والتحرري والوحدوي، كشعارات الوحدة الإسلامية، وتبني القضايا العالمثالثية، ومكافحة الوجود الاستعماري في المنطقة.

 

هذا لا يعني أن الثورة الإيرانية التي تشاركت تيارات متعددة في صناعتها، لم تكن ذات طبيعة تحررية ومعادية للاستعمار وترى ذاتها جزءًا من قضايا المستضعفين في الأرض، حتى في بعدها الخميني، إلا أن ثمة مجموعة من العوامل زحفت بهذه الثورة من موقعها كمشروع ثوري تحرري ملهم، إلى مشروع إقليمي خاص يتخذ من المستضعفين حطبًا لنيرانه التي تزحف بين يديه على بلاد هؤلاء المستضعفين.

 

هذا العنفوان الثوري، بنجاحه الأخّاذ، وشعاراته الساحرة، حجب عن الكثيرين أيضًا عوامل الافتراق الثاوية داخل المشروع الإيراني، حتى منذ بواكير الثورة التي لم تكن تسفر على مستوى الخطاب والممارسة بعد عن عوامل الافتراق هذه، بيد أن هذه العوامل صارت ومع تكون دولة ما بعد الثورة تشكل بنية المشروع الإيراني، ولذلك فإن هؤلاء الكثيرين الذين سقط من وعيهم إدراك عوامل الافتراق باتوا الآن يمتلكون وعيًا متأخرًا بحقيقة المشروع الإيراني، بعناصره التفجيرية، وفي كونه مشروعًا مفارقًا لعموم الآن.

 

بدأ هذا الوعي المتأخر بالتكون مع الاحتلال الأمريكي للعراق في العام ٢٠٠٣، وما كشفه عن ترتيبات ضمنية، أو رسمية، بين كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى السلوك الشيعي العراقي المحلي الذي اتسم بالطائفية المغالية، والعدوانية المفرطة ضد السنة من أهل البلد، إضافة إلى التعاون الوثيق مع المحتل الأمريكي، وهو التعاون الذي تمتع بغطاء صلب من طرف عناصر المحور الإيراني الشيعية على وجه التحديد، فحتى ذلك الوقت كان يبدو أن سياسات النظام السوري بخصوص العراق لا تتفق مع السياسات الإيرانية.

 

ولم يكن ثمة اختلاف بين عناصر المشروع الإيراني الشيعية في تبني سياسات العنصر الشيعي العراقي من حيث التعاون مع المحتل الأمريكي، وحكم العراق بواسطة الدبابة الأمريكية، وتعزيز النفوذ بواسطة افتعال حرب أهلية طائفية تعيد تشكيل التركيبة الديمغرافية في بغداد ومدن جنوب العراق، بما يجعل هذا الحيز الجغرافي شيعيًا خالصًا.

فحتى "حزب الله" اللبناني، والذي مثل المدخل الأساسي في تغيير الصورة النمطية عن التشيع الإمامي الاثني عشري، وتمكن من طبع هذا التشيع، خاصة في نسخته الخمينية، بطابع المقاومة ومواجهة العدو الصهيوني؛ فإنه لم يشذّ من بين عناصر المحور الإيراني في الترويج للسياسات الشيعية العراقية الخاصة، ورفض الاعتراف بالمقاومة العظيمة التي واجه بها أهل السنة، وحدهم تقريبًا، المحتل الأمريكي.

 

كانت هذه السياسات كافية لضرب الخطاب الإيراني تمامًا، والتعامل معه على أنه مشروع مفارق للأمة، فما سبق ذكره من ممارسات في العراق كانت معطيات واضحة لا يعتريها التباس، ولا تحتمل الجدل، ولا يقوى التأويل على مغالبة معانيها الواضحة، فسياسات المشروع الإيراني في العراق كشفت عن مشروع خاص، يرتكز إلى ديماغوجيا في الخطاب وبرغماتية في الممارسة، ويعتمد الطائفية أداة أساسية في اختراق المجال العربي، وتعزيز النفوذ الإقليمي لإيران، وهو ما يعني بالضرورة تشظية المجال العربي، في الوقت الذي تبقى فيه إيران دولة واحدة قوية، وتملك أدواتها في كل بلد عربي، وهو الأمر الذي سينتهي بإيران شرطيًا جديدًا ووحيدًا للمنطقة بالاتفاق مع أمريكا بطبيعة الحال.

 

إلا أن هذه الصورة الواضحة في العراق لم تكن كافية لتكوين الوعي بحقيقة المشروع الإيراني بعناصره الافتراقية والشقاقية، بسبب من استمرار "حزب الله" في الحفاظ على صورته كحزب مقاوم للعدو الصهيوني، حتى وإن لم يشتبك مع الاحتلال منذ حرب تموز/٢٠٠٦، فقد كانت هذه الحرب هي اللمسة الأكبر والأهم في رسم الهالة الأسطورية للحزب، كما أن الحزب احتفظ بخطابه المقاوم كما احتفظ بسلاحه كما احتفظ بعلاقاته بفصائل المقاومة الفلسطينية.

 

بدأ الحزب بتبديد هالته الأسطورية مع تدخله المسلح في سوريا، كما أن المسافات الفاصلة في الرؤية بين كل من النظام السوري وإيران قد تلاشت تمامًا لصالح الأخيرة التي هيمنت على القرار السوري، وبهذا فإن المشروع الإيراني قد بدأ بخسارة الصورة لصالح الأرض، وبكلمة أخرى كان لا بد في الحسابات الإيرانية من الحفاظ على النفوذ الإقليمي بالحفاظ على نظام الأسد وابقاء النفود الإيراني في سوريا متصلاً بلبنان ومطلاً على شواطئ المتوسط وإن على حساب الدعاية، وإن بالتفريط بصورة الحزب المقاوم.

 

إلا أن الخيال الإيراني المتمرس في فنون الدعاية، لم يعدم الوسيلة التي تحوّل تدخل "حزب الله" في سوريا تدخلاً ضد العدو الصهيوني، وحماية للمقاومة، بيد أن هذه الدعاية لم تملك القدرة الكافية لإقناع هؤلاء الكثيرين الذين بدأ يتكون لديهم وعيهم المبكر بحقيقة المشروع الإيراني، وفي كونه مشروعًا خاصًا ومفارقًا لعموم الأمة، وإن بقيت هذه الدعاية هي الثيمة المحببة لمرتزقة إيران وعبيدها من جماعات ومؤسسات وشخصيات مرتبطة بها مصلحيًا أو لأسباب مَرَضِيّة غير مفهومة!

 

ومع انقلاب الحوثيين في اليمن، وما تكشف عن تنسيق عسكري بين القوات الأمريكية وميليشيات الحوثي، فإنه لم يعد للخطاب الإيراني أي قدرة للتأثير على العقلاء والمخلصين من أبناء هذه الأمة، خاصة وأن السلوك الإيراني في اليمن لا يتضمن أي قيمة لصالح الأمة، فضلاً عما يمكن أن يدفع به نحو تفجير اليمن وتشظيته.

 

في الحقيقة، لم يعد الآن في مجالنا العربي السني من يتبنى الخطاب الإيراني ويروج له إلا تلك الفئة من المرتزقة ممن فقدوا أخلاقهم، والأخرى من عبيد إيران الذين فقدوا بصيرتهم، ومآلهم بالضرورة فقدان أخلاقهم!

 

إذن ما هي العوامل الافتراقية الثاوية في صلب بنية المشروع الإيراني؟!

 

باختصار، ينبني المشروع الإيراني على ركيزتين، الأولى: هي التشيع الإمامي الاثني عشري بنسخته السياسية المحدثة المسماة بولاية الفقيه، والثانية: وعي المشروع الإيراني بأنه مشروع خاص مفارق، سواء لإرادتهم بإن يكون إيرانيًا خاصًا، أو لأن القومية الفارسية مكون أساسي فيه.

 

هنا، وبالعودة إلى جذور الأشياء، لا بد من القول بأن التشيع الإمامي الاثني عشري هو مقولة شقاقية وافتراقية في الأمة، تقوم على إعادة صياغة أحداث الصدر الأول التاريخية في بنية مذهبية واعتقادية شقاقية ثابتة، وتنطوي على مرتكزات انعزالية وإقصائية، إلا أن هذه العناصر الافتراقية الكامنة في بنية التشيع الإمامي الاثني عشري، ما كانت لتظهر لولا نظرية ولاية الفقيه ووجود دولة قاعدة إقليمية قادرة على حمل المشروع وتوظيف الجماعات الشيعية في المنطقة العربية بناء على رؤية ناجزة، ونظرية فعالة، وقدرات كبيرة.

 

فالإشكال في المشروع السياسي الذي يملك القدرة على استثارة تلك العوامل الشيعية، فبدون هذا المشروع الخاص من الممكن دائمًا أن يتعايش أبناء هذه الأمة مهما حمل بعضهم من كوامن افتراقية.

 

بعد ذلك، يبقى السؤال القائم دائمًا عن إمكان التلاقي مع إيران في قضية مشتركة في لحظة ما، كما هو حاصل بالنسبة للقضية الفلسطينية.

 

في هذه الحالة، ينبغي الاستفادة من هذه التجربة لضبط التصورات والممارسات السياسية، فالتعاون ينبغي أن يقوم على وعي كامل بعناصر الالتقاء والافتراق.

 

·        كاتب فلسطيني.

 

·        حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح النشر شرط ذكر المصدر

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

آخر تحديث ( 30/03/2015 )
 
التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته