Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


لماذا سقطت بغداد العباسية (5)؟! البريد الإلكتروني
كتب أ‌. محمد شعبان أيوب*   
08/04/2015

Image

"قاوم" خاص - ولذلك فإن المؤرخين يبالغون في تعداد الأنفس التي أزهقوها حين دخلوا بغداد، فمنهم من قدرها بمليون وثمانمائة ألف نفس، ومنهم من قدرها ب2 مليون شخص، وهناك من جعلها 2 مليون، ومما لا شك فيه أن هذه المدينة فقدت معظم سكانها في هذه الكارثة، كما أن الثروة الأدبية والثقافية والفنية التي جمعها البغاددة على مدار خسمة قرون متصلة قد ضاع معظمها وأمست أثرًا بعد عين !

 

-------------------------

 

قبل أن نبدأ في استكمال سرد قصة السقوط لا بد أن نؤكد على ملحوظة مهمة للغاية وهي أن سقوط بغداد لم يكن حدثًا مفاجئًا لأنه بوضوح تام كان جزءًا من خطة مرسومة من قبل القيادة المغولية للسيطرة على الجزء الممتد من نهر جيحون في وسط آسيا إلى النيل في مصر.

 

والحق أن المغول لم تكن القوة القاهرة التي لا يمكن هزيمتها في الفترة ما بين انطلاقتها الخارجية 616هـ  وحتى دحرها على يد المماليك المصريين في سنة 658هـ؛ فلقد قاست الهزيمة على يد الخوارزمية أكثر من مرة، لكن الخلافة العباسية في عصر المستعصم كانت في أزمة تتمثل في ضعف الخليفة وتنازع القادة كما رأينا في المقالات السابقة.

 

بدأ المغول في الاتصال بالخلافة عن طريق المراسلات منذ عام 635هـ، وحين استقر هولاكو في كش جنوب غرب سمرقند راسل الخليفة المستعصم سنة 653هـ وطالبه بالتعاون معه للقضاء على الإسماعيلية الحشيشية في إيران؛ غير أن الحاشية لم يمكنوا الخليفة من الاتصال بهولاكو وشككوا في نياته، ثم أرسل هولاكو رسالة أخرى.

 

بعد هزيمة القوات العباسية أصبح الطريق مفتوحًا أمام بايجو نوين والجيش المغولي الثاني الذي استطاع بكل سهولة أن يحاصر بغداد الغربية يوم 11 من المحرم على أقصى تقدير ووقف "بعساكره محاذي التاج، وجاست عساكره خلال الديار" (1) وكان هذا الانتظار لقدوم هولاكو من باعقوبا إلى شرقي بغداد. والتاج الذي وقف بايجو نوين بمحاذاته قصر فخم في منطقة دار الخلافة في بغداد الشرقية يطل على نهر دجلة.

 

الحصار والسقوط

 

وقد استطاع هولاكو أن يصل بالفعل إلى أسوار بغداد الشرقية يوم 4 المحرم سنة 656هـ غير أن فرقة من القوات العباسية كانت متمركزة حالت لمدة أسبوعين كاملين من عملية التطويق التي اقتضتها خطة المغول السابقة الذكر، ويبدو أن هذه الفرقة كانت بقيادة الأمير الكبير سُليمان شاه بن برجم (2)، قال ابن الطقطى: "وأما حال العسكر السلطاني (عسكر هولاكو) فإنه في يوم الخميس رابع محرم من سنة ست وخمسين وستمائة ثارت غبرة عظيمة شرقي بغداد على درب باعقوبا بحيث عمت البلد، فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السطوح والمناير يتشوفون، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكُراعه وقد طبّق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها، ثم شرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر الخليفيّ في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من محرم" (3).

 

لكن أمام هذه الهجمة الشرسة من قوات تقدر بعشرات الآلاف انهارت الدفاعات العباسية بعد استنفاد الجهد والطاقة، وأمست بغداد الشرقية بين مطرقة هولاكو من الشرق وسندان بايجو من الغرب الذي كان قد استولى على بغداد الغربية بالفعل منذ أسبوع تقريبا!

 

وبعد انهيار الدفاعات العباسية انتقلت عملية التطويق والحصار إلى الهجوم على سور بغداد وأبراجه وكان عددها 163 برجًا، ويجب أن نقرر أن المغول استخدموا أقوى وأحدث الأسلحة التي توافرت لجيش مثلهم في ذلك الوقت وكانت هذه الآلات تتمثل في المنجنيقات القوية والهائلة والعرّادات أي قاذفات الأحجار وآلات النفط المتعددة الأشكال والأوزان.

 

أما عن تقسيم الجيوش فقد ذكر ابن العبري أنها كانت كما يلي: "نزل هولاكو بنفسه على باب بغداد، وفي يوم وليلة بنى المغول بالجانب الشرقي سيبًا أعني سورًا عاليًا وبنى بوقا تيمور وسونجاق نوين وبايجو نوين بالجانب الغربي كذلك وحفروا خندقًا عميقًا... وجدّ المغول بالقتال بإزاء برج المعجمي وبوقا تيمور من الجانب الغربي حيث المبقلة وسونجاق نوين وبايجو نوين من جانب البيمارستان العضدي" (4).

 

 أي أن هولاكو كان معسكرًا ومحاصرًا ومهاجمًا بغداد من ناحية برج العجم وباب كلواذى مع قواته وكبار قادته في معظم مناطق شرق بغداد على امتداد سورها، بينما عسكر بايجو نوين وسنجاك بدأوا الهجوم من ناحية المستشفى العضدي في الجنوب الغربي وبوقا تيمور في الجانب الغربي والشمال الغربي.

 

وعن حصار هولاكو وقواته لبغداد الشرقية يقول الهمذاني: "ترك هولاكوخان معسكراته في خانقين وواصل سيره إلى بغداد ونزل في الجهة الشرقية منها في ... الحادي عشر من المحرم سنة 656هـ، ثم تدفّق جيش المغول كالنمل والجراد من كل جهة وناحية، فحاصروا أسوار بغداد، واحتموا بجدار أقاموه، وفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرّم شرعوا في الحرب والتحم الجيشان، وكان هولاكو في القلب من طريق خراسان على الجانب الأيسر من المدينة في مقابل برج العجمي، وكان إيلكا نويان وفربا على بوّابة كلواذى، أما قولي وبولغا وتوتار وشيرامون وأرقيو (5) فقد نزلوا في عرض المدينة في مواجهة بوابة سوق السلطة... وكان الجميع يحاربون، وقد صوّبوا المجانيق مباشرة تجاه برج العجمي، حتى أحدثوا فيه ثغرة" (6).

 

ولم تترك هذه القوات منذ اتخذت أماكنها حول بغداد فرصة تمر دون أن تستخدمها في تقريب الغاية التي تسعى إليها وهي الاستيلاء على المدينة؛ فأقامت أمام أسوارها أسوارًا أخرى موازية لها من الأتربة كما حفرت خندقًا بجانب المدينة ووراء الأسوار وأتمت هذه الأعمال جميعها في أربع وعشرين ساعة وتمكنت بذلك من فصل المدينة عما جاورها، كما أنها كونت من الأنقاض الموجودة حول المدينة أكوامًا عالية جعلتها مقاعد لقاذفات الأحجار وآلات النفط، بل اللافت أنها لما لم تجد الحجارة التي تحتاج إليها العرّادات جلبتها من جبل حمرين وجالولا وهي أماكن تقع شمال بغداد بمراحل طويله تُقطع في ثلاثة أو أربعة أيام كما أنها كانت تستعيض بالأحجار عند عدم وجودها بقطع من جذوع النخل ! (7)

 

وفي أثناء الحصار اهتم المغول بإضعاف الروح المعنوية لأهل بغداد من خلال إحداث الصدع بينهم، وتقريب الأقليات العرقية والطائفية؛ فقد "أمر هولاكو البتيكتجية ليكتبوا على السهام بالعربية: إن الأركاونية (8) والعلويين (9) والداذنشمدية (10) وبالجملة كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله. وكانوا يرمونها إلى المدينة" (11).

 

لكن الهمذاني يذكر أن هذه المناشير كانت تفيد بأن "القُضاة والعلماء والشيوخ والسادات والتجّار وكل من لا يحاربنا لهم الأمان منا، وربطوا هذه المنشورات بالنبال، وألقوها على المدينة من جوانبها الستة" (12).

 

وكانت خطة هولاكو أن يجعل الحصار في غاية الإحكام على بغداد حتى لا يتمكن أحد من المحاصرين أن يجد له مهربًا أو يجد أهل بغداد ثغرة يستمدوا من خلالها العون للدفاع وصد هجوم المغول، ولذلك أمر هولاكو بإقامة جسرين من القوارب المسلحة على نهر دجلة شمالي بغداد وجنوبها، كما أمر بإقامة حواجز من الأتربة على شاطئ النهر ووضع العرادادت عليها وعهد إلى أحد كبار قادته بمعاونة عشرة آلاف جندي بحراسة الطريق الموصلة إلى البصرة وكذا المدائن، وكانت الاحتياطات التي اتخذها هولاكو في محلها فقد منعت هروب قائد الجيش مجاهد الدين الدوادار، ومن ثم أمست بغداد بين شقي الرحى، فلا يستطيع أحد من أهلها أن يهرب بنفسه ولا يستطيع أحد خارجها أن يقدم لنجدتها، وأصبحت بغداد منذ 22 محرم سنة 656هـ على بعد أيام قليلة على الانهيار التام ! (13)

 

لما رأى الخليفة المستعصم موقفه المأزوم أراد أن يهدئ المغول ويُثنيهم عن عزمهم باقتحام بغداد، وذلك بإرسال الرسل والهدايا؛ فقد "أرسل صاحب ديوانه إلى خدمة هولاكو ومعهم تحف نزرة. قالوا: إن سيّرنا الكثير يقول: قد هلعوا وجزعوا كثيرًا" (14).

 

لكن هولاكو استقبل هذه الهدايا بتساؤل كبير فقال: "لم ما جاء الدويدار وسليمانشاه. فسيّر الخليفة الوزير العلقمي وقال: أنت طلبت أحد الثلاثة وها أنا قد سيّرت إليك الوزير وهو أكبرهم. فأجاب هولاكو: إنني لما كنت مقيمًا بنواحي همذان طلبت أحد الثلاثة والآن لم أقنع بواحد" (15).

 

ورغم ذلك لم يكن أمام الخليفة إلا إعادة المحاولة مرة أخرى؛ فأرسل إليه وفدًا على رأسه ابنه الأوسط الأمير أبي الفضل عبد الرحمن وحملوا في هذه المرة أموالاً كثيرة، ثم في اليوم الثالث الموافق آخر المحرم سنة 656هـ أرسل الخليفة ابنه الأكبر ومعه الوزير وعدد من أشهر رجال الحاشية، غير أن هولاكو صاحب الموقف الأقوى لم يسمع لهم وردهم جميعًا؛ وطلب في هذه المرة الأخيرة أن يرسل الدوادار قائد الجيوش العباسية مجاهد الدين أيبك، وأحد أكابر أمراء الجند، من يمكن أن نعتبره نائب قائد الجيوش العباسية سليمان شاه.

 

في هذه الأثناء وبالتحديد بعد أربعة أيام من الحصار والهجوم ودك الأسوار، استطاع المغول احتلال أبراج سور بغداد بدءًا من يوم 26 محرم وزادوا في إحكام الحصار على أهل بغداد وعلى شاطئ نهر دجلة من جميع جهاته (16)، قال ابن الطقطقى: "لم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يُسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد يُقال له باب كلواذى، وكان هذا البرج أقصر أبراج السور، وتقحّم العسكر السلطاني (أي عسكر المغول) هجومًا ودخولاً، فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه" (17).

 

لكن ابن الفوطي يُبين أحد أسباب سقوط هذا السور بقوله: "لما كان اليوم الرابع عشر من المحرّم خرج الوزير مؤيد الدين بن العلقمي إلى خدمة السلطان (هولاكو) في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكانوا ينهون الناس عن الرّمي بالنشّاب (السهام) ويقولون: سوف يقع الصلح إن شاء الله فلا تحاربوا. هذا وعساكر المغول يُبالغون في الرمي وقد اجتمع منهم خلق كثير على برج العجمي الذي عن يمين باب سور الحلبة، ونصبوا عليه المناجيق، ووصلوا الرمي بالحجارة، فهدموه وصعدوا على السّور في اليوم الحادي والعشرين من المحرّم، وتمكنوا من البلد وأمسكوا عن الرمي وعاد الوزير إلى بغداد يوم الأحد سابع عِشْريّ من المحرّم" (18).

 

والمتأمل في المدة التي قضاها ابن العلقمي عند هولاكو خارج أسوار بغداد وهي قرابة الأسبوعين؛ فضلاً عن أنه أصحابه كانوا يمنعون أهل بغداد من مقاومة المغول لا يعني لنا إلا أمرًا واحدًا فقط لا يخفى على ذوي العقول اليقظة، وهي الخيانة التي لا خيانة بعدها!!

 

لم يكن أمام الخليفة وقادته في ظل هذا الانهيار التام أي مفر إلا إجابة طلب هولاكو المتمركز عند باب كلواذى شرقي بغداد، وعلى الفور في أول صفر أذعن الأميران الكبيران مجاهد الدين أيبك وسليمان شاه فذهبا في مجموعة من أنصارهما إلى هولاكو، وفي الطريق قرر مجاهد الدين أن يرجع إلى المدينة "بحجة أنه يرجع ويمنع المقاتلين الكامنين بالدروب والأزقّة لئلا يقتلوا أحدًا من المغول" (19).

 

لكنه لم يجد مفرًا من الانصياع لأمر هولاكو بالمثول أمامه وعاد إليه هذه المرة مع حشد من مقاتليه لعل هولاكو يعفو عنهم فيذهبوا إلى الشام؛ لكن كان ذلك اليوم الثاني من صفر سنة 656هـ آخر أيامه؛ فقد وُزع جنده على جنود المغول فقتلوهم؛ ثم قُتل مجاهد الدين وابنه، ثم قتل الأمير سليمان شاه، ومن اللافت أن رؤوس هؤلاء القادة أُرسلت إلى أمير الموصل بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وصديق بل وصهر مجاهد الدين ليعلقها في مجلسه، وقد كان لهذا الأمير أكبر الأثر في مساعدة المغول على دخول العراق من قبل ونهب بلدانها ثم مساعدته لهم في حملتهم هذه لإسقاط بغداد على الأقل بعدم رد جيش بايجو نوين الذي عبر الموصل في أول الحملة إلى غربي دجلة ! (20)

 

بعد مقتل مجاهد الدين الدوادار وسليمان شاه وجنودهما دب الرعب في جميع أوصال البغاددة كبيرهم وصغيرهم، ولم يجد الناس أمامهم إلا أن يرسلوا من ناحيتهم اثنان من رموزهم "فأرسلوا شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني ليأخذوا لهم الأمان" (21). لكن هولاكو رفض أن يعطيهم شيئًا ورجعوا إلى الناس من دون إجابة لطلبهم الأمر الذي دفع الناس إلى الهرب لمن استطاع الهرب منهم في قنوات بغداد وأفران الحمامات وأماكن الأحراش وغيرها، وبقي عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال في انتظار الموت المحقق!

 

مقتل الخليفة

 

في هذه اللحظة حاول الخليفة محاولته الأخيرة لإنقاذ نفسه بعد يوم من مقتل الدوادر وسليمان شاه فأرسل على وجه السرعة وزيره مؤيد الدين بن العلقمي صباح يوم 3 صفر "إلى هولاكو فتوثّق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة المستعصم وقال إن هولاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر، وحسّن له الخروج إلى هولاكو" (22).

 

صدّق المستعصم كلام وزيره "فخرج فِي جماعة من الأعيان إلى هولاكو فأنزل فِي خيمة. ثمّ دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل، ليحضروا العقد. فخرجوا من بغداد فضُرِبت أعناقهم، وصار كذلك يخرج طائفةٌ بعد طائفة فتُضرَب أعناقهم. ثمّ مدّ الجسر وبكّر باجونوين ومَن معه فبذلوا السّيف فِي بغداد، واستمرّ القتل والسّبي في بغداد بضعًا وثلاثين يوما، ولم ينْجُ إلّا من اختفى. فَبَلَغَنا أنْ هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسر. والأصحّ أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف. ثمّ نودي بعد ذلك بالأمان، وظهر من كان قد تخبّأ وهم قليل من كثير" (23).

 

كان خروج المستعصم على رأس كبار أشياخ بغداد بعد يوم أو يومين على الأكثر من رجوع ابن العلقمي من مقابلة هولاكو أي يوم 4 صفر إيذانًا بانهيار الخلافة العباسية إلى الأبد اللهم إلا شكلها الرمزي في دولة المماليك في القاهرة بعد ذلك.

 

لكن اللافت أن المستعصم لم يُقتل إلا في يوم 14 صفر بحسب رواية الإربلي في "الذهب المسبوك" أي بعد عشرة أيام كاملة من خروجه، وليس كما ذكر ابن الطقطى في "الفخري" من أن مقتله كان في نفس يوم خروجه؛ ولقد كان ذلك تدبير مقصود من هولاكو الذي أراد أن يتخذه آلة لتحقيق سقوط بغداد سريعًا؛ فقابله في بداية الأمر بالترحاب، وطلب منه أن يأمر أهل بغداد بوضع سلاحهم والخروج من مدينتهم بقصد عمل تعداد لهم؛ فأجابه الخليفة إلى ذلك وأرسل رسولاً من لدنه نادى في طرقات بغداد على الناس أن يرموا سلاحهم ويخرجوا من الأسوار، ولما استيقن هولاكو من ذلك أمر جنوده فانقضوا عليهم وقتلوهم.

 

ولم يكتف هولاكو بذلك بل أمر بردم الخنادق وإزالة أسوار المدينة كما أمر بنصب جسر على دجلة، فلما تم ذلك أمر بايجو نوين القائد المغولي المتمركز مع جنوده على الضفة الغربية من دجلة منذ شهر تقريبًا بدخول بغداد.

 

وزع المغول أنفسهم على أحياء بغداد تاركين لأنفسهم العنان؛ فخرّبوا المساجد ليحصلوا على قبابها المذهبة وهدموا القصور بعد أن جرّدوها من التحف النادرة، وخربوا المكاتب والمكتبات وأتلفوا الكتب بإحراقها ورميها في دجلة (24).

 

ولقد كان استهتار المغول بالنفوس بالغًا أشده؛ والأمثلة على ذلك شنيعة؛ فقد قتل اثنان منهم ثقلت عليهم الأسلاب رجلاً قابلهما في الطريق وشقا جوفه لا لشيء إلا ليتخذاه أداة لحمل ما معهما، كما دخل أحدهم زقاقًا وقتل أربعين طفلاً!

 

ولذلك فإن المؤرخين يبالغون في تعداد الأنفس التي أزهقوها حين دخلوا بغداد، فمنهم من قدرها بمليون وثمانمائة ألف نفس، ومنهم من قدرها ب2 مليون شخص، وهناك من جعلها 2 مليون، ومما لا شك فيه أن هذه المدينة فقدت معظم سكانها في هذه الكارثة، كما أن الثروة الأدبية والثقافية والفنية التي جمعها البغاددة على مدار خسمة قرون متصلة قد ضاع معظمها وأمست أثرًا بعد عين ! (25)

 

وفي يوم 9 صفر اقتيد الخليفة بصحبة هولاكو والطوسي وكبار قادة المغول؛ وذهبوا مباشرة إلى دار الخلافة وحرصوا على إذلال الخليفة؛ وأمر هولاكو الخليفة نفسه أن يقدم بيديه لهم ما يليق بهم؛ فأتى لهم بألفي كساء وعشرة آلاف قطعة ذهبية وبعض الأحجار الكريمة وحليًا من أصناف شتى، فأخذها منه وقال له بازدراء: "إن الكنوز التي تملكها والتي توجد فوق سطح الأرض من السهل معرفتها وهي تحت تصرفي وتصرف أتباعي، إنما ما نريده هو أن تظهر لنا ثروتك المدفونة وتبين لنا موضعها". فدلهم المستعصم على كنوزه المخبئة فوجدوا عددًا كبيرًا من القطع الذهبية الثقيلة الوزن "وقدم جواهر نفيسة ولآلئ ودررًا معبّاة في أطباق ففرّق هولاكو جميعها على الأمراء وعند المساء خرج إلى منزله وأمر الخليفة أن يفرز جميع النساء التي باشرهن هو وبنوه ويعزلهنّ عن غيرهنّ ففعل فكنّ سبعمائة امرأة فأخرجهن ومعهنّ ثلاثمائة خادم خصي" (26).

 

لم تقف أعمال هولاكو القاسية عند هذا الحد؛ فإنه بعد بضعة أيام، وفي الوقت الذي أمر فيه جند المغول بالكف عن أعمال النهب والقتل مؤقتًا على أثر مقابلته لوفد ممثل عمن بقي على قيد الحياة؛ فإننا نجده يرتكب الجرم الأكبر بقتل الخليفة وابنه الأكبر "ففي رابع عشر صفر رحل هولاكو من بغداد وفي أول مرحلة قتل الخليفة المستعصم وابنه الأوسط مع ستة نفر من الخصيان بالليل وقتل ابنه الكبير ومعه جماعة من الخواص على باب كلواذ" (27).

 

كما أمر بإبادة معظم الأسرة العباسية وكل من له ثقل فيها، فقد"قتل ابناه (أي المستعصم) أحمد وعبد الرَّحمن، وبقي ابنه الصّغير مبارك وأخواته فاطمة وخديجة ومريم في أسر التّتار، وقتل ابنه أحمد وعمره خمسٌ وعشرون سنة، وعمر أخيه عبد الرَّحمن ثلاث وعشرون ولكلّ منهما أولاد أسروا، وقتل عددٌ من أعمام الخليفة وأقاربه" (28).

 

الهوامش:

 

1-      ابن الطقطى: الفخري في الآداب السلطانية ص336.

2-      ابن العبري: تاريخ الزمان ص307.

3-      ابن الطقطقى: الفخري في الآداب السلطانية ص335.

4-      ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص271.

5-      من كبار القادة في الجيش المغولي.

6-      الهمذاني: جامع التواريخ مج2 1/286.

7-      مصطفى بدر: محنة الإسلام ص171.

8-      أتباع أركون وهي كلمة يونانية.

9-      أي الشيعة.

10-  الداذنشمدية هم الدانشمندية، وهي من صيغ الجمع ومفردها دانشمدي، وهي كلمة فارسية معناها عالم أو حكيم، دخلت التركية في نهاية العصور الوسطى، بحيث أُطلقت على المعلمين في أنحاء مختلفة. والمقصود بها هنا طبقة العلماء وطلاب العلم في بغداد. راجع: عبد الكريم الخطيب: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ص175.

11-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص272.

12-  الهمذاني: جامع التواريخ مج2 1/287.

13-  مصطفى بدر: محنة الإسلام ص173.

14-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص272.

15-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص272.

16-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص271.

17-  ابن الطقطقى: الفخري في الآداب السلطانية ص336.

18-  ابن الفوطي: الحوادث الجامعة ص356.

19-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص271.

20-  مصطفى طه: محنة الإسلام الكبرى ص175.

21-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص271.

22-  أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر 3/194.

23-  الذهبي: تاريخ الإسلام 48/36.

24-  مصطفى بدر: محنة الإسلام ص177.

25-  عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين 1/39، 40.

26-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص272.

27-  ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص272.

28-  الذهبي: تاريخ الإسلام 48/262.

 

·            باحث في التاريخ والتراث.

 

الأجزاء: الأول، الثاني، الثالث، الرابع

حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته