Trita

الحملة العالمية لمقاومة العدوان


السؤال الخدعة: مفهوم الدولة عند الإسلاميين؟ البريد الإلكتروني
كتب أ. أحمد عمرو*   
14/05/2015

Image

"قاوم" خاص - قضية مفهوم الدولة من أكثر المسائل تعقيدًا لدى الإسلاميين في العصر الحديث. وقد شكلت أحد أكبر التحديات التي واجهت التيار الإسلامي السياسي منذ ولادته في عشرينات القرن الماضي. وتجلت بشكل كبير مع ثورات الربيع العربي ووصول بعض التيارات الإسلامية للسدة الحكم. وأصبح العالم يرتقب ماذا سيقدم الإسلاميون من رؤى وتصورات وكيف سيطبقونها في الواقع.

 

الإشكالية أن الإسلاميين في تصوراتهم المبدئية وأدبياتهم القديمة نقدوا فكرة الدولة الحديثة وتغولها على المجتمع. حيث باتت الدولة الحديثة تتحكم في كافة شؤون الحياة؛ التعليم والصحة والاقتصاد والاتصال ووضع التشريعات والقوانين واحتكار التصرف في الموارد العامة...... إلخ، وهي بذلك تقهر الإنسان وتصادر حرية اختياره وتجعله مجرد ترس صغير يدور في فلك السلطة المركزية والتي في إحدى تعريفاتها الغربية (التي تحتكر العنف الشرعي).

 

بالمقابل فإن نموذج الدولة ومهامها المنتشر لدى معظم الإسلاميين، هو نموذج تطبيق الشريعة الإسلامية والذي اختزل في إطار قضايا المجال العام، مثل الحدود وحجاب المرأة وصلاة الجماعة....إلخ.

 

هذا التصور لدى الإسلاميين هو نموذج بعيد عن التجربة الإسلامية التاريخية، حيث كانت الدولة أقل تحكمًا أو تداخلاً مع المجتمع، وبقيت الشريعة في حيز الأمة وتخضع لها الدولة لا العكس.

 

وأصبح لدينا الآن ثلاثة نماذج لمفهوم الدولة، مفهوم الدولة الحديثة بكل آلياته، مفهوم الدولة الإسلامية التاريخية، مفهوم الدولة لدى الإسلاميين الذي يحوطه قدر كبير من الضبابية، فلا هو نموذج الدولة الحديثة ولا هو نموذج الدولة الإسلامية التاريخية، وإن كان السائد لدى قطاع عريض من الإسلاميين هو الدولة الحديثة التي تطبق الشريعة، وهنا يقع التناقض حيث تختزل الشريعة في مجموعة من القوانين وهو مفهوم بعيد عن شمولية الشريعة من جهة وجوهرها من جهة أخرى.

 

الدولة الحديثة صنعتها جملة المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها أوروبا الحديثة، على النقيض من الدول الإسلامية التي صنعها الاستعمار الغربي. فاختار الاستعمار لكل دولة حدودها وشعبها وسلطتها المركزية، ولم يختر أي من شعوب الدولة الإسلامية لنفسه حدودًا ولا نظامًا للحكم يرتضيه من واقع مخياله السياسي وتجاربه الإنسانية ولم يسمح لتلك الشعوب بتطوير نفسها واختيار البنية السياسية التي تناسبها وتتفق مع تراثها الإنساني والحضاري.

 

في الأخير لا يستطيع الإسلاميون تقديم بديل مغاير ـ حتى على صعيد الإطار النظري وفقط ـ عن الدولة الحديثة؛ لأن مفهوم الدولة الحديثة أصبح جزءًا من بنية النظام العالمي بالكامل والفكاك منه أو وضع تصور مختلف عنه من الصعوبة بمكان، فقد أصبح هو حجر زاوية النظام الدولي، أو الوحدة الأساسية للعلاقات بين الأمم وبنية المنظمات الدولية. ثانيًا لأن تطوير نظام جديد يربط بين المفهوم القديم للدولة والمفهوم الحديث يحتاج إلى قدر من الممارسة والاحتكاك بين النظريات والواقع، وكل التغييرات والنماذج والنظريات السياسية نشأت نتاج تفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية... إلخ، ثم تبلورت أخيرًا في إطار نظري.

 

ما يمكن أن يقدمه الإسلاميون في هذا الإطار هو محاولة عقلنة وترشيد هذا النهج شديد التسلط الذي تقوم به الدولة الحديثة ومحاولة الحد من غلوائه، وتحييد مؤسسات التسلط في الدولة قدر الإمكان وفتح المجال أمام المجتمع ليقوم بدوره وإعادة هيكلة نفسه من جديد ليكون حاضرًا ومؤثرًا في الفكر السياسي للدولة. وهو النهج الذي يحاول تطبيقه أردوغان وحزبه وهو النأي بالدولة عن تبني الإيدلويجيات وتحييدها بقدر الإمكان مع إفساح المجال أمام التكوينات الاجتماعية لتقوم هي بمحاولة التغيير. وهو ما حاول القيام به الإسلاميون في مصر أيضًا، وأجهض بفعليات 30 يونيو المصطنعة. وما أعقبها من استيلاء الجيش على السلطة في 3 يوليو2013م.

 

يستطيع الإسلاميون كذلك أن يشتركوا في النقد المعرفي لمفهوم الدولة الحديثة ومستقبلها لكن من واقع التجارب والممارسة الحية. فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال لا يمكن وصفه من خلال مفهوم الدولة الحديث وقد طورت مؤسساته التي تعمل خارج المنظومة الدولية مثل النظام القضائي والمالي وغيرهما، وهذا الأنموذج الأوروبي لم ينشأ مفهومًا شاملاً منذ نشأته وإلى الآن، بل هو آخذ في التطور منذ خمسين عامًا وما زال في مراحل التغير ولم يصل بعد إلى الإطار الثابت المستقر.

 

السؤال الخدعة: مفهوم الدولة عن الإسلاميين؟

 

هذا السؤال لا يصبو للحصول على إجابة واضحة أو شافية من الإسلاميين عن تأصيلاتهم النظرية لمفهوم الدولة، بقدر إظهار عجزهم وضعفهم أمام أحد أهم المعضلات التاريخية في المنطقة العربية وهي بالأساس كما ذكرنا ميراث استعماري بامتياز.

 

الهدف هو إحداث حالة من الارتباك لدى الإسلاميين وإشغالهم بالإغراق في تأصيلات سياسية هي بالأساس لواقع لم يشاركوا في صنعه وغير قادرين على تغييره. كما أن الإسلام في جانبه التأصيلي لمفهوم الدولة وضع جملة من القواعد الكلية القليلة الحاكمة، وجل السياسية الشرعية هل استنباطات من نصوص شرعية قليلة بالإضافة إلى واقع المسلمين وممارستهم السياسية.

 

الكاتب الفرنسي( أوليفر روي Oliver Roy  ) صاحب كتاب (فشل الإسلام السياسي)، ينطلق في كتابه من أطروحة: ما شكل المجتمع ومؤسساته السياسية والاقتصادية المزمع إنشاؤها من قبل الإسلاميين عند وصولهم للحكم؟ ويخلص إلى الإجابة أنهم لم يقدموا جديدًا، إذ إنهم مارسوا أو يدعون إلى ممارسة الديمقراطية بكل آلياتها الغربية، والدولة الحديثة بكل منطلقاتها. ا.هـ.

 

هنا نجد أن مؤشر الفشل عند أوليفر روي ليس سياسيًا أو اقتصاديًا بل يؤشر إلى عدم قدرتهم على إعطاء نموذج جديد مختلف عن النموذج الغربي المتبع في الحكم.

 

وعلى دندنة أوليفر روي سارع كثير من مفكري السياسية القريبين من الإسلاميين ليدشنوا كتبًا مثل الخيال السياسي عند الإسلاميين، ويروجوا لأخرى مثل الدولة المستحيلة للدكتور وائل حلاق، وهو بالمناسبة نصراني فلسطيني، تحمل نفس المضامين وتصبو لنفس الهدف؛ إرباك الإسلاميين ودخولهم في سفسطة نظرية لن يتم التحصل منها على شيء.

 

إزاء تلك المعضلة يرفض بعض الإسلاميين أن يتم حشر التيارات والكيانات الإسلامية بين تجربة الخلافة التاريخية وبين مفهوم الدولة الحديثة بتطبيقاته الغربية ومطالبة الإسلاميين بوضع تصور جديد.

 

وهو شبيه بتلك الدعوات التي كانت تطالب الكيانات الإسلامية قبل ثورات الربيع العربي بوضع حلول جذرية لمشكلات المجتمع الاقتصادية في ظل حالة انغلاق سياسي كامل. فكيف لتيار إسلامي لم يسمح له حتى بالممارسة السياسية في العلن وأن يُكون حزبًا رسميًا، أن يُطالب بوضع حلول للبطالة والعنوسة والإسكان والصحة وكل تلك القضايا وهي ملفات محظور الاطلاع عليها إلا لأتباع النظام.

 

من الحقيقة الإقرار أن الإسلاميين ليس لديهم تصور متمايز عن التصورات والرؤى المختلفة للدولة الحديثة وأن رؤيتهم في هذا الصدد ضبابية، لكن كما ذكرنا من قبل أن التصورات منشؤها التفاعل المجتمعي والاحتكاك بين الممارسة والنظرية، وحياد مؤسسات الدولة قدر الإمكان وإفساح المجال للشعوب للمشاركة الإيجابية، وهذا هو القدر المستطاع الذي يمكن أن يقدمه الإسلاميون حال وصولهم لسدة الحكم، في ظل هذا الظرف (الداخلي) من جهة والإقليمي والدولي من جهة أخرى

 

قد ننتظر تصورًا جديدا لمفهوم الدولة بتأصيل شريعي شامل وممارسة واقعية متقنة لكن هذا لن يتأتى إلا بعد سنوات من الممارسة وبعد أن تتربى الكيانات المجتمعية بما فيها التيارات والأحزاب والكيانات الإسلامية على الممارسة والمشاركة الإيجابية.

 

مدير وحدة الحركات الإسلامية بالمركز العربي للدراسات الإنسانية.

 

حقوق النشر محفوظة ل "قاوم" ويُسمح النسخ شرط ذكر المصدر

 




  

تعليقك على الموضوع
الاسم:
البريد الإلكتروني:
العنوان:
التعليق:

الرمز:* Code
أرسل التعليق إلى البريد الإلكتروني

آخر تحديث ( 14/05/2015 )
 
< السابق   التالى >

في دائرة الضوء

 

أبرز الشواهد على انتصار المقاومة العسكرية الفلسطينية في غزة

"قاوم" خاص - تعرّض الكيان الإسرائيلي على مدار 51 يومًا من الحرب على قطاع غزة إلى هزات عنيفة زلزلت أركانه بصورة غير مسبوقة، وتبددت صورة الجيش الذي لا يقهر بعد أن داست أقدام المقاومين جنوده بعمليات نوعية، وتدهورت مكانته دوليًا، وتلقى اقتصاده ضربةً هي الأكبر منذ نشأته واحتلاله فلسطين.

 

انتصار غزة.. والحق ما شهدت به الأعداء!

"قاوم" خاص - وقد أبدى "شاؤول موفاز" وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "كاديما" صدمته وذهوله من طريقة نهاية الحرب. وقال مستغرباً: "لا يمكن أن تنتهي المعركة بهذه الصورة، وما هكذا تنتهي المعارك"، فيما اعتبر "زهافا جالون" رئيس حركة "ميرتس" أن "الحرب على غزة لم تحقق عنصر الردع، بل قضت على ما تبقى منه" ...

 

الأزمة الإنسانية في غزة – طبيعتها وخصائصها

"قاوم" خاص - ومن هنا نجد أن الحديث عن أزمات غزة الإنسانية؛ يجب ألا يقتصر على التسليط الإعلامي، أو ندوة هنا وفعالية هناك، وهذه الأمور وإن كانت في مجملها جيدة، إلا أنها مسكنات وقتية، لا تؤدي إلى الحل الجذري للمشكلة أو على أقل تقدير إيقاف تطورها والسيطرة عليها، فأزمة غزة الإنسانية تتفرد بطبيعة وخصائص تفرض على من يشخصها ويضع لها الحلول  أن يضعها في اعتباره.

 

الحرب على غزة كشفت من جديد أخلاقيات المقاومة ووحشية الاحتلال

"قاوم" خاص - ويكفي الإشارة إلى أن استهداف المدنيين الآمنين هو عمل تجيزه الديانة اليهودية وتعاليم التوراة، بل إن الكثير من النصوص (المحرفة) كانت تحث اليهود على قتل الأطفال والنساء الحوامل على اعتبار أنهم غير آدميين. في المقابل نجد الكثير من التعليمات الإسلامية منعت قتل غير المقاتلين من الأطفال والنساء والمتفرغين للعبادة، وحتى البهائم والأشجار.

 

جرائم الحرب في غزة ما بين نظرية المعاهدات واستحالة التطبيق

"قاوم" خاص - ما بين الفترة والثانية يصعد الكيان الصهيوني عدوانه على إخواننا في قطاع غزة، فيقتل عن عمد وإصرار الأطفال والنساء والشبان والشيوخ، ويهدم البيوت والمنشآت المدنية والحيوية. كما يوجه العدو الصهيوني هجمات بربرية ضد الأماكن المدنية من مساكن مدنية ومساجد ومدارس وجامعات وأمثالهم من المنشآت التي لا تساهم في أي عملية حربية كانت.

 

مقاومة حماس إذ تحرج المحور الإيراني!

قاوم "خاص" - لا يقصد بشار الأسد أحدًا غير حماس من بين فصائل المقاومة الفلسطينية بكلامه هذا، فهي الفصيل الفلسطيني الوحيد الذي اختلف مع نظامه بعد الثورة السورية، وهي الحركة المقاومة الوحيدة التي امتلكت السلطة في غزة، وقد سبق للمحور الإيراني عبر إعلامه ومناصريه في المجال العربي والفلسطيني رمى حماس بصفة "نكران الجميل" التي اعتمدوها ثيمة أساسية في خطابهم الذي يستهدف الحركة.

 

الحرب الصهيونية الجديدة ضد غزة... مسألة وقت!

"قاوم" خاص - على أية حال يبدو أن القيادة الإسرائيلية تعاني في الآونة الحالية من حالة تخبط شديدة قد تدفعها في نهاية المطاف للقيام بعمل جنوني-انتقامي للخروج من مشاكلها الداخلية والخارجية، ويبدو أن قطاع غزة لا زال النقطة الوحيدة الضعيفة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية التسلح العسكري، لكنه لازال الأكثر خطورة على إسرائيل وأمنها، لذا قد تلجأ حكومة دولة الاحتلال إلى شن حرب جديدة ضده، خاصة في ظل وجود أصوات محرضة داخل الكيان الصهيوني تدق طبول هذه الحرب منذ فترة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ...

 

إسرائيل تدق طبول الحرب على غزة

"قاوم" خاص - إذا فرضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة فسيخوضها الغزيون مرةً أخرى، وسيكونون على أتم الاستعداد لمواجهة الجيش الإسرائيلي مهما بلغت عددته، وأياً كانت خطته، ولن تخيفهم تهديدات وزير دفاعهم الخاسر دوماً أيهود باراك، فهو رجلٌ غير قادرٍ إلا على جلب المزيد من الخسائر له ولحزبه وشعبه ودولته، ولن يقوَ على مواجهة سكان قطاع غزة الذين لا يأبهون بالموت إن كان قدرهم، ولن يلتفتوا إلى الظروف التي تعيشها الدول العربية.

البحث

موقع قاوم الإنكليزي

موقع مؤتمر نصرة الشعب العراقي

موقع مؤتمر غزة النصر

مؤتمر دعم المقاومة العراقية

آخر تعليق

مبروك لإيران إفلاتها من الاستعمار البدوي الغاشم الجاهل المتخلف ولولا ذلك لكانت دولة هزيلة مائعة مفككة مهلهلة مكرسحة ضعيفة تعيش على الاستبداد الأبوي المشيخاني البدوي كجاراتها في الكويت والسعودية والاما...
المزيد ...

Facebook
Twitter
You Tube

المقالات والأخبار الواردة في الموقع تعبِّر عن رأي كتًابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع
الحقوق محفوظة © 2005 - 2016 الحملة العالمية لمقاومة العدوان.
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته